محمد بن جرير الطبري
315
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بذلك : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه ؛ وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من ذلك ، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأَوثان من دونه ابتغاء عرض من عرض الدنيا . ففي ذلك من فعلهم مع الأَوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثني عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قال : إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فأعتقوه . فكانت قريظة حلفاء الأَوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، فكانوا يقتتلون في حرب سمير ، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءها . وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها فيغلبونهم ، فيخربون بيوتهم ويخرجونهم منها ، فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه ، فتعيرهم العرب بذلك ، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟ قالوا : إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا . فذلك حين عيرهم جل وعز فقال : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كانت قريظة والنضير أخوين ، وكانوا بهذه المثابة ، وكان الكتاب التوراة بأيديهم . وكانت الأَوس والخزرج أخوين فافترقا ، وافترقت قريظة والنضير ، فكانت النضير مع الخزرج ، وكانت قريظة مع الأَوس . فاقتتلوا ، وكان بعضهم يقتل بعضا ، فقال الله جل ثناؤه : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ الآية . وقال آخرون بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : كان في بني إسرائيل إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم ، وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم . وأما العدوان فهو الفعلان من التعدي ، يقال منه : عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا ، واعتدى يعتدي اعتداء ، وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا . وقد اختلف القراء في قراءة : تَظاهَرُونَ فقرأها بعضهم : تظاهرون ، على مثال " تفاعلون " فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة . وقرأها آخرون : تَظاهَرُونَ ، فشدد بتأويل تَظاهَرُونَ ، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء لتقارب مخرجيهما فصيروهما ظاء مشددة . وهاتان القراءتان وإن اختلفت ألفاظهما فإنهما متفقتا المعنى ، فسواء بأي ذلك قرأ القارئ لأَنهما جميعا لغتان معروفتان وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإِسلام بمعنى واحد ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأَخرى إلا أن يختار مختار تظاهرون المشددة طلبا منه تتمة الكلمة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . يعني بقوله جل ثناؤه : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ اليهود يوبخهم بذلك ، ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها . فقال لهم : ثم أنتم بعد