محمد بن جرير الطبري
279
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : ليست بذلول تثير الأَرض ولا تسقي الحرث . ويعني بقوله : تُثِيرُ الْأَرْضَ تقلب الأَرض للحرث ، يقال منه : أثرت الأَرض أثيرها إثارة : إذا قلبتها للزرع . وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة لأَنها كانت فيما قيل وحشية . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن قال : كانت وحشية . القول في تأويل قوله تعالى : مُسَلَّمَةٌ . ومعنى مُسَلَّمَةٌ مفعلة من السلامة ، يقال منه : سلمت تسلم فهي مسلمة . ثم أختلف أهل التأويل في المعنى الذي سلمت منه ، فوصفها الله بالسلامة منه . فقال مجاهد بما : حدثنا به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : مُسَلَّمَةٌ يقول : مسلمة من الشية ، و لا شِيَةَ فِيها لا بياض فيها ولا سواد . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال ، قال مجاهد : لا شِيَةَ فِيها قال : مسلمة من الشية لا شِيَةَ فِيها لا بياض فيها ولا سواد . وقال آخرون : مسلمة من العيوب . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها أي مسلمة من العيوب . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : مُسَلَّمَةٌ يقول : لا عيب فيها . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : مُسَلَّمَةٌ يعني مسلمة من العيوب . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع بمثله . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قال ابن عباس قوله : مُسَلَّمَةٌ لا عوار فيها . والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد ؛ لأَن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الأَلوان سوى لون جلدها ، لكان في قوله : مُسَلَّمَةٌ مكتفي عن قوله : لا شِيَةَ فِيها . وفي قوله : لا شِيَةَ فِيها ما يوضح عن أن معنى قوله : مُسَلَّمَةٌ غير معنى قوله : لا شِيَةَ فِيها . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام أنه يقول : إنها بقرة لم تذللها إثارة الأَرض وقلبها للحراثة ولا السنو عليها للمزارع ، وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب . القول في تأويل قوله تعالى : لا شِيَةَ فِيها . يعني بقوله : لا شِيَةَ فِيها لا لون فيها يخالف لون جلدها . وأصله من وشي الثوب ، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته ، يقال منه : وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا . ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره : واش ، لكذبه عليه عنده وتحسينه كذبه بالأَباطيل ، يقال منه : وشيت به إلى السلطان وشاية . ومنه قول كعب بن زهير : تسعى الوشاة جنابيها وقولهم * إنك يا ابن أبي سلمة لمقتول والوشاة جمع واش : يعني أنهم يتقولون بالأَباطيل . ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قتله . وقد زعم بعض أهل العربية أن الوشي : العلامة . وذلك لا معنى له إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأَعلام ، لأَنه معلوم أن القاتل : وشيت بفلان إلى فلان غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد : جعلت له عنده علامة . وإنما قيل . لا شِيَةَ فِيها وهي من وشيت . لأَن الواو لما أسقطت من أولها