محمد بن جرير الطبري
278
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تلاوته تشابه ، فبعضهم كانوا يتلونه : تشابه علينا ، بتخفيف الشين ونصب الهاء على مثال تفاعل ، ويذكر الفعل وإن كان البقر جماعا ، لأَن من شأن العرب تذكير كل فعل جمع كانت وحدانه بالهاء وجمعه بطرح الهاء وتأنيثه كما قال الله تعالى في نظيره في التذكير : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فذكر المنقعر وهو من صفة النخل لتذكير لفظ النخل ، وقال في موضع آخر كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فأنث الخاوية وهي من صفة النخل بمعنى النخل ؛ لأَنها وإن كانت في لفظ الواحد المذكر على ما وصفنا قبل فهي جماع نخلة . وكان بعضهم يتلوه : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا بتشديد الشين وضم الهاء ، فيؤنث الفعل بمعنى تأنيث البقر ، كما قال : أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ويدخل في أول تشابه تاء تدل على تأنيثها ، ثم تدغم التاء الثانية في شين تشابه لتقارب مخرجها ومخرج الشين فتصير شيئا مشددة وترفع الهاء بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب . وكان بعضهم يتلوه : " إن البقر يشابه علينا " فيخرج يشابه مخرج الخبر عن الذكر لما ذكرنا من العلة في قراءة من قرأ ذلك : تَشابَهَ بالتخفيف ، ونصب الهاء ، غير أنه كان يرفعه بالياء التي يحدثها في أول تشابه التي تأتي بمعنى الاستقبال ، وتدغم التاء في الشين كما فعله القارئ في تشابه بالتاء والتشديد . والصواب في ذلك من القراءة عندنا : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا بتخفيف شين تشابه ونصب هائه ، بمعنى تفاعل . لإِجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك ورفعهم ما سواه من القراءات ، ولا يعترض على الحجة بقول من يجوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ . وأما قوله : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ فإنهم عنوا : وإنا إن شاء الله لمبين لنا ما التبس علينا وتشابه من أمر البقرة التي أمرنا بذبحها . ومعنى اهتدائهم في هذا الموضع معنى تبينهم أي ذلك الذي لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ وتأويل ذلك ، قال موسى : إن الله يقول . إن البقرة التي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول . ويعني بقوله : لا ذَلُولٌ أي لم يذللها العمل . فمعنى الآية : أنها بقرة لم تذللها إثارة الأَرض بأظلافها ، ولا سني عليها الماء فيسقي عليها الزرع ، كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب أو العمل : دابة ذلول بينة الذل ، بكسر الذال ، ويقال في مثله من بني آدم : رجل ذليل بين الذل والذلة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ يقول : صعبة لم يذلها عمل ، تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ يقول : بقرة ليست بذلول يزرع عليها ، وليست تسقي الحرث . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ أي لم يذللها العمل ، تُثِيرُ الْأَرْضَ يعني ليست بذلول فتثير الأَرض ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ يقول : ولا تعمل في الحرث . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع : إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ يقول : لم يذلها العمل ، تُثِيرُ الْأَرْضَ يقول : تثير الأَرض بأظلافها ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ يقول : لا تعمل في الحرث . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال : الأَعرج : قال مجاهد : قوله : لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ يقول : ليست بذلول فتفعل ذلك . حدثنا