محمد بن جرير الطبري

246

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من السماء يقال له المن ، وطعامهم طير يقال له السلوى ، يأكلون الطير ويشربون العسل ، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره . فقالوا : يا موسى إنا لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأَرض من بقلها فقرأ حتى بلغ : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ . وإنما قال جل ذكره : يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ولم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأَرض ، فيقول : قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مما تنبته الأَرض من بقلها وقثائها ، لأَن " من " تأتي بمعنى التبعيض لما بعدها ، فاكتفي بها عن ذكر التبعيض ، إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بالكلام الذي هي فيه كقول القائل : أصبح اليوم عند فلان من الطعام يريد شيئا منه . وقد قال بعضهم : " من " هاهنا بمعنى الإِلغاء والإِسقاط ، كأن معنى الكلام عنده : يخرج لنا ما تنبت الأَرض من بقلها . واستشهد على ذلك بقول العرب : ما رأيت من أحد ، بمعنى : ما رأيت أحدا ، وبقول الله : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وبقولهم : قد كان من حديث ، فخل عني حتى أذهب ، يريدون : قد كان حديث . وقد أنكر من أهل العربية جماعة أن تكون " من " بمعنى الإِلغاء في شيء من الكلام ، وادعوا أن دخولها في كل موضع دخلت فيه مؤذن أن المتكلم مريد لبعض ما أدخلت فيه لا جميعه ، وأنها لا تدخل في موضع إلا لمعنى مفهوم . فتأويل الكلام إذا على ما وصفنا من أمر من ذكرنا : فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأَرض من بقلها وقثائها . والبقل والقثاء والعدس والبصل ، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأَرض وحبها . وأما الفوم ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه . فقال بعضهم : هو الحنطة والخبز . ذكر من قال ذلك . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ومؤمل ، قالا : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، قال : الفوم : الخبز . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ومجاهد قوله : وَفُومِها قالا : خبزها . حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو ، قالا : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَفُومِها قال : الخبز . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة والحسن : الفوم : هو الحب الذي يختبزه الناس . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن بمثله . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن أبي مالك في قوله : وَفُومِها قال : الحنطة . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط بن نصر عن السدي : وَفُومِها الحنطة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن وحصين ، عن أبي مالك في قوله : وَفُومِها الحنطة . حدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن قتادة قال : الفوم : الحب الذي يختبز الناس منه . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال لي عطاء بن أبي رياح قوله : وَفُومِها قال : خبزها . قالها مجاهد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال لي ابن زيد : الفوم : الخبز . حدثني يحيى بن عثمان السهمي ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي بن