محمد بن جرير الطبري

244

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يلقونه في جوانب الجوالق إذا ارتحلوا ، ويقرعه موسى بالعصا إذا نزل ، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط منهم عين . فكان بنو إسرائيل يشربون منه ، حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون ، وقيل به فألقى في جانب الجوالق ، فإذا نزل رمي به . فقرعه بالعصا ، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر . حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثني أسباط ، عن السدي ، قال : كان ذلك في التيه . وأما قوله : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ فإنما أخبر الله عنهم بذلك ، لأَن معناهم في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأَرضين التي لا مالك لها سوى الله عز وجل . وذلك أن الله كان جعل لكل سبط من الأَسباط الاثني عشر عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية يشرب منها دون سائر الأَسباط غيره لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره . وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه ؛ فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس ، إذ كان غيرهم في الماء الذي لا يملكه أحد شركاء في منابعه ومسايله ، وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر دون سائر منابعه خاص لهم دون سائر الأَسباط غيرهم فلذلك خصوا بالخبر عنهم أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم . القول في تأويل قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وهذا أيضا مما استغني بذكر ما هو ظاهر منه عن ذكره ما ترك ذكره . وذلك أن تأويل الكلام : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، قد علم كل أناس مشربهم ، فقيل لهم : كلوا واشربوا من رزق الله أخبر الله جل ثناؤه . أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى ، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور الذي لا قرار له في الأَرض ، ولا سبيل إليه إلا لمالكيه ، يتدفق بعيون الماء ويزخر بينابيع العذب الفرات بقدرة ذي الجلال والإِكرام . ثم تقدم جل ذكره إليهم مع إباحتهم ما أباح وإنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الهنيء ، بالنهي عن السعي في الأَرض فسادا ، والعثا فيها استكبارا ، فقال جل ثناؤه لهم : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يعني بقوله : لا تَعْثَوْا لا تطغوا ، ولا تسعوا في الأَرض مفسدين . كما : حدثني به المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول : لا تسعوا في الأَرض فسادا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ لا تعث : لا تطغ . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي لا تسيروا في الأَرض مفسدين . حدثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ لا تسعوا في الأَرض . وأصل العثا شدة الإِفساد ، بل هو أشد الإِفساد ، يقال منه : عثى فلان في الأَرض : إذا تجاوز في الإِفساد إلى غايته ، يعثى عثا مقصور ، وللجماعة : هم يعثون ، وفيه لغتان أخريان : إحداهما عثا يعثو عثوا ؛ ومن قرأها بهذه