محمد بن جرير الطبري
20
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
معنى واحد وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله اجتماع اللغات السبع في حرف واحد من القرآن فقد تبين بذلك إفساد حجته لقوله بقوله وإفساد قوله بحجته فقيل له ليس القول في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفت بل الأحرف السبعة التي أنزل اللّه بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني كقول القائل هلم وأقبل وتعال والىّ وقصدي ونحوى وقربى ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني وان اختلفت بالبيان به الألسن كالذي روينا آنفا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة أن ذلك بمنزلة قولك هلم وتعال وأقبل وقوله ما ينظرون إلا زقية وإلا صيحة فان قال ففي أي كتاب اللّه نحد حرفا واحدا مقرؤا بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى فنسلم لك صحة ما ادعيت من التأويل في ذلك قيل انا لم ندع أن ذلك موجود اليوم وانما أخبرنا ان معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف على نحو ما جاءت به الاخبار التي تقدم ذكرناها وهو ما وصفنا دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك للعلل التي قد بينا فان قال فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة ان كان الأمر في ذلك على ما وصفت وقد أقرأهنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه وأمر بالقراءة بهنّ وأنزلهنّ اللّه من عنده على نبيه صلى اللّه عليه وسلم أنسخت فرفعت فما الدلالة على نسخها ورفعها أم نسيتهنّ الأمة فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه أم ما القصة في ذلك قيل له لم تنسخ فترفع ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه باي تلك الأحرف السبعة شاءت كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفر باي الكفارات الثلاث شاءت اما بعتق أو اطعام أو كسوة فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر كانت مصيبة حكم اللّه مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق اللّه فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به فان قال وما العلة التي أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية قيل ( حدثنا ) أحمد بن عبدة الضبي قال حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي عن عمارة بن غزية عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال لما قتل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باليمامة دخل عمر بن الخطاب على أبى بكر رحمه اللّه فقال انّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافت الفراش في النار وانى أخشى أن لا يشهدوا موطنا الا فعلوا ذلك حتى يقتلوا وهم حملة القرآن فيضيع القرآن وينسى فلو جمعته وكتبته فنفر منها أبو بكر وقال أفعل ما لم يفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتراجعا في ذلك ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت قال زيد فدخلت عليه وعمر محزئل فقال أبو بكر ان هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه وأنت كاتب الوحي فان تكن معه اتبعتكما وان توافقنى لا أفعل قال فاقتص أبو بكر قول عمر وعمر ساكت فنفرت من ذلك وقلت نفعل ما لم يفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم