محمد بن جرير الطبري

233

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة ، فالصواب من القول فيه أن يقال : إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له : يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً كما أخبر عنهم أنهم قالوه . وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخا لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قامت حجته على من احتج به عليه ، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك . وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأَقوال التي ذكرناها ، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال . القول في تأويل قوله تعالى : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ عطف على قوله : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فتأويل الآية : ثم بعثناكم من بعد موتكم ، وظللنا عليكم الغمام ، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم لعلكم تشكرون . والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة ، والغمام هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين ، وكل مغطى فإن العرب تسميه مغموما . وقد قيل : إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : ليس بالسحاب . وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة لم يكن إلا لهم . وحدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : هو بمنزلة السحاب . وحدثني القاسم بن الحسن ، قالا : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : هو غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ ، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر . قال أبن عباس : وكان معهم في التيه . وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مما غم السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إليها ، فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل فوصفه بأنه كان غماما بأولى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء ، وقد قيل : إنه ما أبيض من السحاب . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى اختلف أهل التأويل في صفة المن . فقال بعضهم بما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ قال : المن : صمغة . حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنا عبد الرزاق ، قال : أنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى يقول : كان المن ينزل عليهم مثل الثلج . وقال آخرون : هو شراب . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : المن : شراب كان ينزل عليهم مثل العسل ، فيمزجونه بالماء ، ثم يشربونه . وقال آخرون : المن : عسل . ذكر من قال ذلك :