محمد بن جرير الطبري
19
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فساده ذو عقل ولا يلتبس خطؤه على ذي لب وذلك أن الاخبار التي بها احتججت لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم نزل القرآن على سبعة أحرف هي الاخبار التي رويتها عن عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب رحمة اللّه عليهم وعمن رويت ذلك عنه من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأنهم تماروا في تلاوة بعض القرآن فاختلفوا في قراءته دون تأويله وأنكر بعض قراءة بعض مع دعوى كل قارئ منهم قراءة منها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ ثم احتكموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان من حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهم أن صوّب قراءة كل قارئ منهم على خلافها قراءة أصحابه الذين نازعوه فيها وأمر كل امرئ منهم أن يقرأ كما علم حتى خالط قلب بعضهم الشك في الإسلام لما رأى من تصويب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قراءة كل قارئ منهم على اختلافها ثم جلاه اللّه عنه ببيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له أن القرآن أنزل على سبعة أحرف فان كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن عندك كما قال هذا القائل متفرقة في القرآن مثبتة اليوم في مصاحف أهل الإسلام فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن فاختصموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فامر كلا أن يقرأ كما علم لان الأحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن فغير موجب حرف من ذلك اختلافا بين تاليه لان كل تال فإنما يتلو ذلك الحرف تلاوة واحدة على ما هو به في المصحف وعلى ما أنزل وإذا كان ذلك كذلك بطل وجه اختلاف الذين روى عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة وفسد معنى أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم كل قارئ منهم أن يقرأه على ما علم إذ كان لا معنى هنالك يوجب اختلافا في لفظ ولا افتراقا في معنى وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلاف بين القوم والمعلم واحد والعلم واحد غير ذي أوجه وفي صحة الخبر عن الذين روى عنهم اختلاف في حروف القرآن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنهم اختلفوا وتحاكموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك على ما قد تقدم وصفناه أبين الدلالة على فساد القول بان الأحرف السبعة انما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل في تأويله قول النبي صلى اللّه عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف وادعائه أن معنى ذلك أنها سبع لغات متفرقة في جميع القرآن ثم جمع بين قيله ذلك واعتلاله لقيله ذلك بالأخبار التي رويت عمن روى ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال هو بمنزلة قولك تعال وهلم وأقبل وأن بعضهم قال هو بمنزلة قراءة عبد اللّه إلا زقية وهي في قراءتنا إلا صيحة وما أشبه ذلك من حججه علم أن حججه مفسدة في ذلك مقالته وأن مقالته فيه مضادة حججه لان الذي نزل به القران عنده احدى القراءتين امّا صيحة وامّا زقية واما تعال أو أقبل أو هلم لا جميع ذلك لان كل لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن غير الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى وإذا كان ذلك كذلك بطل اعتلاله لقوله بقول من قال ذلك بمنزلة هلم وتعال وأقبل لأن هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة يجمعها في التأويل