محمد بن جرير الطبري

216

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : لقد ذكر أنه كان ليأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ، ثم يصف بعضه إلى بعض ، ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل ، فيوقفن عليه فيحز أقدامهن ، حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع من بين رجليها ، فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن رجلها لما بلغ من جهدها . حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم ، فقيل له : أفنيت الناس وقطعت النسل ، وإنهم خولك وعمالك . فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما . فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان ، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون . قال أبو جعفر : والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم ، فتأويل قوله إذا على ما تأوله الذين ذكرنا قولهم : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يستبقونهن فلا يقتلونهن . وقد يجب على تأويل من قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أنه تركهم الإِناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزا أن تسمى الطفلة من الإِناث في حال صباها وبعد ولادها امرأة ، والصبايا الصغار وهن أطفال : نساء ، لأَنهم تأولوا قول الله جل وعز : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يستبقون الإِناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن . وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج ، فقال بما : حدثنا به القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا ابن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ قال : يسترقون نساءكم . فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله في قوله : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ إنه استحياء الصبايا الأَطفال ، قال : إذ لم نجدهن يلزمهن اسم نساء . ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله " ويستحيون " يسترقون ، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا عجمية ، وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقي ، وهو من معنى الاسترقاق بمعزل . وقد قال آخرون : قوله يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ بمعنى يذبحون رجالكم آباء أبنائكم . وأنكروا أن يكون المذبوحون الأَطفال ، وقد قرن بهم النساء . فقالوا : في إخبار الله جل ثناؤه إن المستحيين هم النساء الدلالة الواضحة على أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبيان ، لأَن المذبحين لو كانوا هم الأَطفال لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا . قالوا : وفي إخبار الله عز وجل أنهم النساء ما يبين أن المذبحين هم الرجال . وقد أغفل قائلوا هذه المقالة مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين موضع الصواب ، وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلى أم موسى أنه أمرها أن ترضع موسى ، فإذا خافت عليه أن تلقيه في التابوت ثم تلقيه في اليم . فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم ، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت ؛ ولكن ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبيان وتركهم من القتل الصبايا . وإنما قيل : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ إذ كان الصبايا داخلات مع أمهاتهن ، وأمهاتهن لا شك نساء في الاستحياء ، لأَنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن ، فقيل : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني بذلك الوالدات