محمد بن جرير الطبري
217
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والمولودات كما يقال : قد أقبل الرجال وإن كان فيهم صبيان ، فكذلك قوله : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وأما من الذكور فإنه لما لم يكن يذبح إلا المولودون قيل : يذبحون أبناءكم ، ولم يقل يذبحون رجالكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أما قوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فإنه يعني : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم على ما وصفت بلاء لكم من ربكم عظيم . ويعني بقوله بلاء : نعمة . كما : حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قال : نعمة . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أما البلاء : فالنعمة . وحدثنا سفيان ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قال : نعمة من ربكم عظيمة . حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثل حديث سفيان . حدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قال : نعمة عظيمة . وأصل البلاء في كلام العرب : الاختبار والامتحان ، ثم يستعمل في الخير والشر ، لأَن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر ، كما قال الله جل ثناؤه : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يقول : اختبرناهم ، وكما قال جل ذكره : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ثم تسمي العرب الخير بلاء والشر بلاء ، غير أن الأَكثر في الشر أن يقال : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير : أبليته أبليه إبلاء وبلاء ؛ ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى : جزى الله بالإِحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فجمع بين اللغتين لأَنه أراد : فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أما تأويل قوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ فإنه عطف على : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ بمعنى : واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون ، وإذ فرقنا بكم البحر . ومعنى قوله : فَرَقْنا بِكُمُ فصلنا بكم البحر ، لأَنهم كانوا اثني عشر سبطا ، ففرق البحر اثني عشر طريقا ، فسلك كل سبط منهم طريقا منها . فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر ، وفصله بهم بتفريقهم في طريق الاثني عشر . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : لما أتى موسى البحر كناه أبا خالد ، وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، فدخلت بنو إسرائيل ، وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط . وقد قال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فرقنا بينكم وبين الماء : يريد بذلك : فصلنا بينكم وبينه وحجزناه حيث مررتم به . وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة ؛ لأَن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم ، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر ، فيكون التأويل ما قاله قائلوا هذه المقالة ، وفرقه البحر بالقوم ، إنما هو تفريقه البحر بهم على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم على ما جاءت به الآثار . القول في تأويل قوله تعالى ذكره :