محمد بن جرير الطبري

210

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أجزيت عنه كذا : إذا أعنته عليه ، وجزيت عنك فلانا : إذا كافأته . وقال آخرون منهم : بل جزيت عنك : قضيت عنك ، وأجزيت : كفيت . وقال آخرون منهم : بل هما بمعنى واحد ، يقال : جزت عنك شاة وأجزت ، وجزى عنك درهم وأجزى ، ولا تجزي عنك شاة ولا تجزي بمعنى واحد ، إلا أنهم ذكروا أن جزت عنك ولا تجزي عنك من لغة أهل الحجاز ، وأن أجزأ وتجزئ من لغة غيرهم . وزعموا أن تميما خاصة من بين قبائل العرب تقول : أجزأت عنك شاة ، وهي تجزئ عنك . وزعم آخرون أن جزى بلا همز : قضى ، وأجزأ بالهمز : كافأ . فمعنى الكلام إذا : واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى . فإن قال لنا قائل : وما معنى : لا تقضي نفس عن نفس ، ولا تغني عنها غنى ؟ قيل : هو أن أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه ؛ وأما في الآخرة فإنه فيما أتتنا به الأَخبار عنها يسر الرجل أن يبرد له على ولده أو والده حق ، وذلك أن قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسيئات . كما : حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأَودي ، قال : حدثنا المحاربي ، عن أبي خالد الدولابي يزيد بن عبد الرحمن ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله عبدا كانت عنده لأَخيه مظلمة في عرض " قال أبو بكر في حديثه : " أو مال أو جاه ، فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم ، فإن كانت له حسنات أخذوا من حسناته ، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم " . حدثنا أبو عثمان المقدمي ، قال : حدثنا القروي ، قال : حدثنا مالك ، عن المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : حدثنا أبو همام الأَهوازي ، قال : أخبرنا عبد الله بن سعيد ، عن سعيد عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . حدثنا موسى بن سهل الرملي ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا عبد العزيز الدراوردي ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم وعليه دين ، فإنه ليس هناك دينار ولا درهم ، إنما يقتسمون هنا لك الحسنات والسيئات " وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يمينا وشمالا . حدثني محمد بن إسحاق ، قال : قال : حدثنا سالم بن قادم ، قال : حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى ، قال : أخبرني الحارث بن مسلم ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي هريرة . قال أبو جعفر : فذلك معنى قوله جل ثناؤه : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً يعني أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها ؛ لأَن القضاء هنا لك من الحسنات والسيئات على ما وصفنا . وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسره أن يثبت له على ولده أو والده حق ، فيأخذه منه ولا يتجافى له عنه ؟ . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى قوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تجزي منها أن تكون مكانها . وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده ، وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل : ما أغنيت عني شيئا ، بمعنى : ما أغنيت مني أن تكون مكاني ، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء ، قالوا لا يجزي هذا من هذا ، ولا يستجيزون أن يقولوا : لا يجزي هذا من هذا شيئا . فلو كان تأويل قوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ما قاله من حكينا قوله لقال : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ