محمد بن جرير الطبري
211
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نَفْسٍ كما يقال : لا تجزي نفس من نفس ، ولم يقل لا تجزي نفس عن نفس شيئا : وفي صحة التنزيل بقوله : لا تجزي نفس عن نفس شيئا أوضح الدلالة على صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ قال أبو جعفر : والشفاعة مصدر من قول الرجل : شفع لي فلان إلى فلان شفاعة ، وهو طلبه إليه في قضاء حاجته . وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع لأَنه ثنى المستشفع به ، فصار له شفعا ، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردا ، فصار صاحبه له فيها شافعا ، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة ؛ ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأَرض شفيعا لمصير البائع به شفعا . فتأويل الآية إذا : واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره ، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع ، فيترك لها ما لزمها من حق . وقيل : إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها لأَنهم كانوا من يهود بني إسرائيل ، وكانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه ، وسيشفع لنا عنده آباؤنا . فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة ، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه . كما : حدثني عباس بن أبي طالب ، قال : حدثنا حجاج بن نصير ، عن شعبة ، عن العوام بن مزاحم رجل من قيس بن ثعلبة ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عثمان بن عفان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة ، كما قال الله عز وجل وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً الآية فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم ، وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإِنابة من ضلالهم ، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله . وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة ، فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " شفاعتي لأَهل الكبائر من أمتي " وأنه قال : " ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة ، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأَمتي ، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا " . فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم ، وأن قوله : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ الشفاعة إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل . وليس هذا من مواضع الإِطالة في القول في الشفاعة والوعد والوعيد ، فنستقصي الحجاج في ذلك ، وسنأتي على ما فيه الكفاية في مواضعه إن شاء الله تعالى . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال أبو جعفر : والعدل في كلام العرب بفتح العين : الفدية . كما : حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال : يعني فداء . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر عن السدي : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أما عدل فيعدلها من العدل ، يقول : لو جاءت بملء الأَرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال :