محمد بن جرير الطبري

209

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

على عالم من كان في ذلك الزمان ، فإن لكل زمان عالما . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد في قوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ قال : على من هم بين ظهرانيه . وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : على من هم بين ظهرانيه . وحدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت ابن زيد عن قول الله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ قال : عالم أهل ذلك الزمان . وقرأ قول الله : وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ قال : هذه لمن أطاعه واتبع أمره ، وقد كان فيهم القردة وهم أبغض خلقه إليه ، وقال لهذه الأَمة : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال : هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه . قال أبو جعفر : والدليل على صحة ما قلنا من أن تأويل ذلك على الخصوص الذي وصفنا ما : حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر جميعا ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده جد بهز بن حكيم ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة " قال يعقوب في حديثه : " أنتم آخرها " . وقال الحسن : " أنتم خيرها وأكرمها على الله " . فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وأن معنى قوله : وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وقوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ على ما بينا من تأويله . وقد أتينا على بيان تأويل قوله : الْعالَمِينَ بما فيه الكفاية في غير هذا الموضع ، فأغنى ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً قال أبو جعفر : وتأويل قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا . وجائز أيضا أن يكون تأويله : واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا ، كما قال الراجز : قد صبحت صبحها السلام * بكبد خالطها سنام في ساعة يحبها الطعام وهو يعني : يحب فيها الطعام ، فحذفت الهاء الراجعة على " اليوم " ، إذ فيه اجتزاء بما ظهر من قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ الدال على المحذوف منه عما حذف ، إذ كان معلوما معناه . وقد زعم قوم من أهل العربية أنه لا يجوز أن يكون المحذوف في هذا الموضع إلا الهاء . وقال آخرون : لا يجوز أن يكون المحذوف إلا " فيه " . وقد دللنا فيما مضى على جواز حذف كل ما دل الظاهر عليه . وأما المعنى في قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً فإنه تحذير من الله تعالى ذكره عباده الذين خاطبهم بهذه الآية عقوبته أن تحل بهم يوم القيامة ، وهو اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ، ولا يجزي فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا . وأما تأويل قوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ فإنه يعني : لا تغني : كما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ أما تجزي : فتغني . وأصل الجزاء في كلام العرب : القضاء والتعويض ، يقال : جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء ، بمعنى : قضيته دينه ، ومن ذلك قيل : جزى الله فلانا عني خيرا أو شرا ، بمعنى : أثابه عني وقضاه عني ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إلي . وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب : يقال :