محمد بن جرير الطبري

157

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : أول من سكن الأَرض الجن ، فأفسدوا فيها ، وسفكوا فيها الدماء ، وقتل بعضهم بعضا . قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس ومن معه ، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ؛ ثم خلق آدم فأسكنه إياها ، فلذلك قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فعلى هذا القول إني جاعل في الأَرض خليفة من الجن يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها . وحدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية ، قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأَربعاء ، وخلق الجن يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ، فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأَرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء وكان الفساد في الأَرض . وقال آخرون في تأويل قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي خلفا يخلف بعضهم بعضا ، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم ، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله . وهذا قول حكي عن الحسن البصري ، ونظير له ما : حدثني به محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب ، عن ابن سابط في قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ قال : يعنون به بني آدم . وحدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأَرض خلقا ، وأجعل فيها خليفة ، وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة والأَرض ليس فيها خلق . وهذا القول يحتمل ما حكي عن الحسن ، ويحتمل أن يكون أراد ابن زيد أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأَرض خليفة له ، يحكم فيها بين خلقه بحكمه ، نظير ما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله جل ثناؤه قال للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأَرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا . فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس : إني جاعل في الأَرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي ، وذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه . وأما الإِفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه ، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله ؛ لأَنهما أخبرا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته إذ سألوه : ما ذاك الخليفة : إنه خليفة يكون له ذرية يفسدون في الأَرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا . فأضاف الإِفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذرية خليفته دونه وأخرج منه خليفته . وهذا التأويل وإن كان مخالفا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه ، فموافق له من وجه . فأما موافقته إياه فصرف متأوليه إضافة الإِفساد في الأَرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة . وأما مخالفته إياها فإضافتهما الخلافة إلى آدم بمعنى استخلاف الله إياه فيها ، وإضافة الحسن الخلافة إلى ولده بمعنى خلافة بعضهم بعضا ، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم ، وإضافة الإِفساد في الأَرض وسفك الدماء إلى الخليفة . والذي دعا المتأولين قوله : إِنِّي