محمد بن جرير الطبري
158
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً في التأويل الذي ذكر عن الحسن إلى ما قالوا في ذلك أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها إذ قال لهم ربهم : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ إخبارا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه جاعله في الأَرض لا غيره ؛ لأَن المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنه جرت . قالوا : فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الله قد برأ آدم من الإِفساد في الأَرض وسفك الدماء وطهره من ذلك ، علم أن الذي عني به غيره من ذريته ، فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأَرض ويسفك الدماء هو غير آدم ، وأنهم ولده الذين فعلوا ذلك ، وأن معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا غيرهم لما وصفنا . وأغفل قائلوا هذه المقالة ومتأولو الآية هذا التأويل سبيل التأويل ، وذلك أن الملائكة إذ قال لها ربها : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لم تضف الإِفساد وسفك الدماء في جوابها ربها إلى خليفته في أرضه ، بل قالت : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، وغير منكر أن يكون ربها أعلمها أنه يكون لخليفته ذلك ذرية يكون منهم الإِفساد وسفك الدماء ، فقالت : يا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ كما قال ابن مسعود وابن عباس ، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل . القول في تأويل قوله جل ثناءه خبرا عن الملائكة : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ قال أبو جعفر : إن قال قائل : وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في الأَرض خليفة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ولم يكن آدم بعد مخلوقا ولا ذريته ، فيعلموا ما يفعلون عيانا ؟ أعلمت الغيب فقالت ذلك ، أم قالت ما قالت من ذلك ظنا ، فذلك شهادة منها بالظن وقول بما لا تعلم ، وذلك ليس من صفتها ، فما وجه قيلها ذلك لربها ؟ قيل : قد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالا ؛ ونحن ذاكرو أقوالهم في ذلك ، ثم مخبرون بأصحها برهانا وأوضحها حجة . فروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة ، يقال لهم " الجن " خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ، قال : وكان اسمه الحارث . قال : وكان خازنا من خزان الجنة . قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي . قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذ ألهبت . قال : وخلق الإِنسان من طين ، فأول من سكن الأَرض الجن ، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا . قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة ، وهم هذا الحي الذين يقال لهم " الجن " فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال . فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه ، وقال : قد صنعت شيء لم يصنعه أحد . قال : فاطلع الله على ذلك من قلبه ، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه ؛ فقال الله للملائكة الذين معه : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فقالت الملائكة مجيبين له : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء ؟ وإنما بعثنا عليهم لذلك . فقال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يقول : إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره ، قال : ثم أمر بتربة آدم فرفعت ، فخلق الله آدم من طين لازب واللازب : اللزج الصلب من