محمد بن جرير الطبري
147
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يريد بقوله : " فأحييت لي ذكري " : أي رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورا حيا بعد أن كان خاملا ميتا . فكذلك تأويل قول من قال في قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً لم تكونوا شيء : أي كنتم خمولا لا ذكر لكم ، وذلك كان موتكم ، فأحياكم فجعلكم بشرا أحياء تذكرون وتعرفون ، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم كالذي كنتم قبل أن يحييكم من دروس ذكركم ، وتعفي آثاركم ، وخمول أموركم ؛ ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ونفخ الروح فيها وتصييركم بشرا كالذي كنتم قبل الإِماتة لتعارفوا في بعثكم وعند حشركم . وأما وجه تأويل من تأول ذلك أنه الإِماتة التي هي خروج الروح من الجسد ، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً إلى أنه خطاب لأَهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم . وذلك معنى بعيد ، لأَن التوبيخ هنا لك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم لا استعتاب واسترجاع وقوله جل ذكره : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً توبيخ مستعتب عباده ، وتأنيب مسترجع خلقه من المعاصي إلى الطاعة ومن الضلالة إلى الإِنابة ، ولا إنابة في القبور بعد الممات ولا توبة فيها بعد الوفاة . وأما وجه تأويل قول قتادة ذلك : أنهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم . فإنه عنى بذلك أنهم كانوا نطفا لا أرواح فيها ، فكانت بمعنى سائر الأَشياء الموات التي لا أرواح فيها . وإحياؤه إياها تعالى ذكره : نفخه الأَرواح فيها وإماتته إياهم بعد ذلك قبضه أرواحهم ، وإحياؤه إياهم بعد ذلك : نفخ الأَرواح في أجسامهم يوم ينفخ في الصور ويبعث الخلق للموعود . وأما ابن زيد فقد أبان عن نفسه ما قصد بتأويله ذلك ، وأن الإِماتة الأَولى عند إعادة الله جل ثناؤه عباده في أصلاب آبائهم بعد ما أخذهم من صلب آدم ، وأن الإِحياء الآخر : هو نفخ الأَرواح فيهم في بطون أمهاتهم ، وأن الإِماتة الثانية هي قبض أرواحهم للعود إلى التراب والمصير في البرزخ إلى اليوم البعث ، وأن الإِحياء الثالث : هو نفخ الأَرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة . وهذا تأويل إذا تدبره المتدبر وجده خلافا لظاهر قول الله الذي زعم مفسره أن الذي وصفنا من قوله تفسيره . وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه عن الذين أخبر عنهم من خلقه أنهم قالوا : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ وزعم ابن زيد في تفسيره أن الله أحياهم ثلاث إحياءات ، وأماتهم ثلاث اماتات . والأَمر عندنا وإن كان فيما وصف من استخراج الله جل ذكره من صلب آدم ذريته ، وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف ، فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين ، أعني قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً الآية ، وقوله : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ في شيء ؛ لأَن أحدا لم يدع أن الله أمات من ذرأ يومئذ غير الإِماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث ، فيكون جائزا أن يوجه تأويل الآية إلى ما وجهه إليه ابن زيد . وقال بعضهم : الموتة الأَولى : مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة ، فهي ميتة من لدن فراقها جسده إلى نفخ الروح فيها ، ثم يحييها الله بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرا سويا بعد تارات تأتي عليها ، ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه . فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصور فيرد في جسده روحه ، فيعود حيا سويا لبعث القيامة ؛ فذلك موتتان وحياتان . وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول لأَنهم قالوا : موت ذي الروح مفارقة الروح إياه ،