محمد بن جرير الطبري
148
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فزعموا أن كل شيء من ابن آدم حي ما لم يفارق جسده الحي ذا الروح ، فكل ما فارق جسده الحي ذا الروح فارقته الحياة فصار ميتا ، كالعضو من أعضائه مثل اليد من يديه ، والرجل من رجليه لو قطعت وأبينت ، والمقطوع ذلك منه حي ، كان الذي بان من جسده ميتا لا روح فيه بفراقه سائر جسده الذي فيه الروح . قالوا : فكذلك نطفته حية بحياته ما لم تفارق جسده ذا الروح ، فإذا فارقته مباينة له صارت ميتة ، نظير ما وصفنا من حكم اليد والرجل وسائر أعضائه ، وهذا قول ووجه من التأويل لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضى للقرآن تأويلهم . وأولى ما ذكرنا من الأَقوال التي بينا بتأويل قول الله جل ذكره : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الآية ، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود ، وعن ابن عباس ، من أن معنى قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أموات الذكر خمولا في أصلاب آبائكم نطفا لا تعرفون ولا تذكرون ، فأحياكم بإنشائكم بشرا سويا ، حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم ، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رفاتا لا تعرفون ولا تذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون ، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأَرواح فيكم لبعث الساعة وصيحة القيامة ، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك ، كما قال : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لأَن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم ، ثم يحشرهم لموقف الحساب ، كما قال جل ذكره : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ وقال : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ والعلة التي من أجلها اخترنا هذا التأويل ، ما قد قدمنا ذكره للقائلين به وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل . وهذه الآية توبيخ من الله جل ثناؤه للقائلين : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواههم غير مؤمنين به ، وأنهم إنما يقولون ذلك خداعا لله وللمؤمنين . فعذلهم الله بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ووبخهم واحتج عليهم في نكيرهم ما أنكروا من ذلك ، وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة فقال : كيف تكفرون بالله فتجحدون قدرته على إحيائكم بعد إماتتكم وإعادتكم بعد إفنائكم وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم . ثم عدد ربنا عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود الذين جمع بين قصصهم وقصص المنافقين في كثير من آي هذه السورة التي افتتح الخبر عنهم فيها بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ نعمه التي سلفت منه إليهم وإلى آبائهم التي عظمت منهم مواقعها ، ثم سلب كثيرا منهم كثيرا منها بما ركبوا من الآثام واجترموا من الإِجرام وخالفوا من الطاعة إلى المعصية ، يحذرهم بذلك تعجيل العقوبة لهم كالتي عجلها للأَسلاف والأَفراط قبلهم ، ويخوفهم حلول مثلاته بساحتهم كالذي أحل بأوليهم ، ويعرفهم ما لهم من النجاة في سرعة الأَوبة إليه ، وتعجيل التوبة من الخلاص لهم يوم القيامة من العقاب . فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدد من نعمه التي هم فيها مقيمون بذكر أبينا وأبيهم آدم أبي البشر ، صلوات الله عليه ، وما سلف منه من كرامته إليه وآلائه لديه ، وما أحل به وبعدوه إبليس من عاجل عقوبته بمعصيتهما التي كانت منهما ، ومخالفتهما أمره الذي أمرهما به ، وما كان من تغمده آدم برحمته إذ تاب وأناب إليه ، وما كان من إحلاله بإبليس من لعنته في العاجل ، وإعداده له ما أعد له من العذاب المقيم في الآجل إذ استكبر وأبى التوبة إليه والإِنابة ، منبها لهم على