محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بموجود في هذه السورة فيجوز أن يقال : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما فإن ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن قول الله جل ثناؤه : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها إنما هو خبر منه جل ذكره أنه لا يستحيي أن يضرب في الحق من الأَمثال صغيرها وكبيرها ابتلاء بذلك عباده واختبارا منه لهم ليميز به أهل الإِيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به ، إضلالا منه به لقوم وهداية منه به لآخرين كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : مَثَلًا ما بَعُوضَةً يعني الأَمثال صغيرها وكبيرها ، يؤمن بها المؤمنون ، ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها ، ويضل بها الفاسقين . يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به . وحدثني المثنى ، قال حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بمثله . وحدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله . قال أبو جعفر : لا أنه جل ذكره قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحيي من ضرب المثل بها ، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق كما : حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : البعوضة أضعف ما خلق الله وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج بنحوه . خصها البعوضة الله بالذكر في القلة ، فأخبر أنه لا يستحيي أن يضرب أقل الأَمثال في الحق وأحقرها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع جوابا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم من المثل بموقد النار والصيب من السماء على ما نعتهما به من نعتهما فإن قال لنا قائل : وأين ذكر نكير المنافقين الأَمثال التي وصفت الذي هذا الخبر جوابه ، فنعلم أن القول في ذلك ما قلت ؟ قيل : الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وإن القوم الذين ضرب لهم الأَمثال في الآيتين المقدمتين ، اللتين مثل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما بموقد النار وبالصيب من السماء على ما وصف من ذلك قبل قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا قد أنكروا المثل وقالوا : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ، فأوضح خطأ قيلهم ذلك ، وقبح لهم ما نطقوا به وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه ، وأنه ضلال وفسوق ، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه . وأما تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ، ويستشهد على ذلك من قوله بقول الله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ويزعم أن معنى ذلك : وتستحي الناس والله أحق أن تستحيه ؛ فيقول : الاستحياء بمعنى الخشية ، والخشية بمعنى الاستحياء وأما معنى قوله : أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا فهو أن يبين ويصف ، كما قال جل ثناؤه : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ بمعنى وصف لكم ، وكما قال الكميت : وذلك ضرب أخماس أريدت * لأَسداس عسى أن لا تكونا بمعنى وصف أخماس . والمثل : الشبه ، يقال : هذا مثل هذا ومثله ، كما يقال : شبهه وشبهه ، ومنه قول كعب بن زهير :