محمد بن جرير الطبري

140

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الأَباطيل يعني شبها . فمعنى قوله إذا : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا إن الله لا يخشى أن يصف شبها لما شبه به ؛ وأما " ما " التي مع " مثل " فإنها بمعنى " الذي " ، لأَن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة في الصغر والقلة فما فوقها مثلا . فإن قال لنا قائل : فإن كان القول في ذلك كما قلت فما وجه نصب البعوضة ، وقد علمت أن تأويل الكلام على ما تأولت : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا الذي هو بعوضة ، فالبعوضة على قولك في محل الرفع ، فأنى أتاها النصب ؟ قيل : أتاها النصب من وجهين : أحدهما أن ما لما كانت في محل نصب بقوله : يَضْرِبَ وكانت البعوضة لها صلة أعربت بتعريبها فألزمت إعرابها كما قال حسان بن ثابت : وكفى بنا فضلا على من غيرنا * حب النبي محمد إيانا فعربت غير بإعراب " من " ، فالعرب تفعل ذلك خاصة في " من " و " ما " تعرب صلاتهما بإعرابهما لأَنهما يكونان معرفة أحيانا ونكرة أحيانا . وأما الوجه الآخر ، فأن يكون معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها ، ثم حذف ذكر " بين " و " إلى " ، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في " ما " الثانية دلالة عليهما ، كما قالت العرب : " مطرنا ما زبالة فالثعلبية " و " له عشرون ما ناقة فجملا " وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما يعنون : ما بين قرنها إلى قدمها ، وكذلك يقولون في كل ما حسن فيه من الكلام دخول " ما بين كذا إلى كذا " ، ينصبون الأَول والثاني ليدل النصب فيهما على المحذوف من الكلام . فكذلك ذلك في قوله : ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها وقد زعم بعض أهل العربية أن " ما " التي مع المثل صلة في الكلام بمعنى التطول ، وأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا فما فوقها . فعلى هذا التأويل يجب أن تكون بعوضة منصوبة ب " يضرب " ، وأن تكون " ما " الثانية التي في " فما فوقها " معطوفة على البعوضة لا على " ما " . وأما تأويل قوله : فَما فَوْقَها فما هو أعظم منها عندي لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خلق الله ، فإذا كانت أضعف خلق الله فهي نهاية في القلة والضعف ، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأَشياء لا يكون إلا أقوى منه ، فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه فما فوقها في العظم والكبر ، إذ كانت البعوضة نهاية في الضعف والقلة . وقيل في تأويل قوله : فَما فَوْقَها في الصغر والقلة ، كما يقال في الرجل يذكره الذاكر فيصفه باللؤم والشح ، فيقول السامع : نعم ، وفوق ذاك ، يعني فوق الذي وصف في الشح واللؤم . وهذا قول خلاف تأويل أهل العلم الذين ترتضى معرفتهم بتأويل القرآن ، فقد تبين إذا بما وصفنا أن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة . فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة فغير جائز في ما إلا ما قلنا من أن تكون اسما لا صلة بمعنى التطول . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ذكره : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فأما الذين صدقوا الله ورسوله .