محمد بن جرير الطبري
124
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واصفا بذلك جل ذكره نفسه أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم ، لإِحلال سخطه بهم ، وإنزال نقمته عليهم ، ومحذرهم بذلك سطوته ، ومخوفهم به عقوبته ، ليتقوا بأسه ، ويسارعوا إليه بالتوبة . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلم ة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن حبير ، عن ابن عباس : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ لما تركوا من الحق بعد معرفته . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : ثم قال يعني قال الله في أسماعهم يعني أسماع المنافقين وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ قال أبو جعفر : وإنما معنى قوله : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ لأَذهب سمعهم وأبصارهم ، ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا : ذهبت ببصره ، وإذا حذفوا الباء قالوا : أذهبت بصره ، كما قال جل ثناؤه : آتِنا غَداءَنا ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل : ائتنا بغدائنا . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ فوحد ، وقال : وَأَبْصارِهِمْ فجمع ؟ وقد علمت أن الخبر في السمع خبر عن سمع جماعة ، كما الخبر في الأَبصار خبر عن أبصار جماعة ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي الكوفي : وحد السمع لأَنه عنى به المصدر وقصد به الخرق ، وجمع الأَبصار لأَنه عنى به الأَعين . وكان بعض نحويي البصرة يزعم أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة ، ويحتج في ذلك بقول الله : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ يريد لا ترتد إليهم أطرافهم ، وبقوله : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ يراد به أدبارهم . وإنما جاز ذلك عندي لأَن في الكلام ما يدل على أنه مراد به الجمع ، فكان فيه دلالة على المراد منه ، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة مغنيا عن جماعه ، ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع ، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأَبصار من الجمع والتوحيد ، كان فصيحا صحيحا لما ذكرنا من العلة ؛ كما قال الشاعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا * فإن زماننا زمن خميص فوحد البطن ، والمراد منه البطون لما وصفنا من العلة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال أبو جعفر : وإنما وصف الله نفسه جل ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ، لأَنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير ، ثم قال : فاتقوني أيها المنافقون واحذروا خداعي وخداع رسولي وأهل الإِيمان بي لا أحل بكم نقمتي فإني على ذلك وعلى غيره من الأَشياء قدير . ومعنى قدير : قادر ، كما معنى عليم : عالم ، على ما وصفت فيما تقدم من نظائره من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قال أبو جعفر : فأمر جل ثناؤه الفريقين اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء عليهم أنذروا أم لم ينذروا أنهم لا يؤمنون ، لطبعه على قلوبهم ، وعلى سمعهم وأبصارهم ، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله : آمنا بالله واليوم الآخر ، مع استبطانه خلاف ذلك ، ومرض قلبه ، وشكه في حقيقة ما يبدي من ذلك ؛ وغيرهم من سائر خلقه المكلفين ، بالاستكانة والخضوع له بالطاعة ،