محمد بن جرير الطبري
125
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وإفراد الربوبية له ، والعبادة دون الأَوثان والأَصنام والآلهة ؛ لأَنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم ، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم ، فقال لهم جل ذكره : فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر . وكان ابن عباس فيما روي لنا عنه يقول في ذلك نظير ما قلنا فيه ، غير أنه ذكر عنه أنه كان يقول في معنى : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وحدوا ربكم . وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة والتذلل له بالاستكانة . والذي أراد ابن عباس إن شاء الله بقوله في تأويل قوله : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وحدوه : أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه . حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلم ة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين ، أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يقول : خلقكم وخلق الذين من قبلكم . قال أبو جعفر : وهذه الآية من أدل دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غير جائز إلا بعد إعطاء الله المكلف المعونة على ما كلفه . وذلك أن الله أمر من وصفنا بعبادته والتوبة من كفره ، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون . القول في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم الذي خلقكم ، وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه ، وإفرادكم له العبادة ، لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل عليكم ، وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم . وكان مجاهد يقول في تأويل قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تطيعون حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثني أبي عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قال : لعلكم تطيعون . قال أبو جعفر : والذي أظن أن مجاهدا أراد بقوله هذا : لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه وإقلاعكم عن ضلالتكم . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فكيف قال جل ثناؤه : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أو لم يكن عالما بما يصير إليه أمرهم إذا هم عبدوه وأطاعوه ، حتى قال لهم : لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا ، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشك ؟ قيل له : ذلك على غير المعنى الذي توهمت ، وإنما معنى ذلك : اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة ، كما قال الشاعر : وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم * كلمح سراب في الفلا متألق يريد بذلك : قلتم لنا كفوا لنكف . وذلك أن " لعل " في هذا الموضع لو كان شكا لم يكونوا وثقوا لهم كل موثق . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً مردود على " الذي " الأَولى في قوله : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وهما جميعا من نعت " ربكم " ،