محمد بن جرير الطبري
116
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأَمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه ، و " أو " وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك ، فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها ، وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحمير : وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال ، ولكن لما كانت " أو " في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها ، وضعها موضعها . وكذلك قول جرير : جاء الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر وكما قال الآخر : فلو كان البكاء يرد شيء * بكيت على جبير أو عناق على المرأين إذ مضيا جميعا * لشأنهما بحزن واشتياق فقد دل بقوله : " على المرأين إذ مضيا جميعا " أن بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يرد أن يقصد به أحدهما دون الآخر ، بل أراد أن يبكيهما جميعا . فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ لما كان معلوما أن " أو " دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه الواو ، ولو كانت مكانها كان سواء نطق فيه ب " أو " أو بالواو . وكذلك وجه حذف المثل من قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ لما كان قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً دالا على أن معناه : كمثل صيب ، حذف المثل واكتفى بدلالة ما مضى من الكلام في قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً على أن معناه : أو كمثل صيب ، من إعادة ذكر المثل طلب الإِيجاز والاختصار . القول في تأويل قوله تعالى : فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ . . . وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا قال أبو جعفر : فأما الظلمات فجمع ، وأحدها ظلمة ؛ وأما الرعد فإن أهل العلم اختلفوا فيه ؛ فقال بعضهم : هو ملك يزجر السحاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة عن الحكم ، عن مجاهد ، قال : الرعد ملك يزجر السحاب بصوته . وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة عن الحكم عن مجاهد مثله . وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : حدتنا فضيل بن عياض ، عن ليث ، عن مجاهد مثله . وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم قال : أنبأنا إسماعيل بن سالم عن أبي صالح ، قالا : الرعد ملك من الملائكة يسبح . وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأَودي ، قال : حدثنا محمد بن يعلى ، عن أبي الخطاب البصري ، عن شهر بن حوشب قال : الرعد : ملك موكل بالسحاب ، يسوقه كما يسوق الحادي الإِبل ، يسبح كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها ، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق التي رأيتم . وحدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الرعد : ملك من الملائكة اسمه الرعد ، وهو الذي تسمعون صوته . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا عبد الملك بن حسين عن السدي عن أبي مالك ، عن ابن عباس ، قال : الرعد : ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير . وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : الرعد : اسم ملك ، وصوته هذا تسبيحه ، فإذا اشتد زجره السحاب اضطرب السحاب