محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القرآن من كل لسان وفيما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكرها الكتاب مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب قيل له ان الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا من أجل أنهم لم يقولوا هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاما ولا كان ذاك لها منطقا قبل نزول القرآن ولا كانت بها العرب عارفة قبل مجىء الفرقان فيكون ذلك قولا لقولنا خلافا وانما قال بعضهم حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا وحرف كذا بلسان العجم معناه كذا ولم يستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد فكيف بجنسين منها كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس وغير ذلك مما يتعب احصاؤه ويملّ تعداده كرهنا إطالة الكتاب بذكره مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى ولعل ذلك كذلك في سائر الألسن التي يجهل منطقها ولا يعرف كلامها فلو أن قائلا قال فيما ذكرنا من الأشياء التي عددنا وأخبرنا اتفاقه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية وما أشبه ذلك مما سكتنا عن ذكره ذلك كله فارسي لا عربى أو ذلك كله عربى لا فارسي أو قال بعضه عربى وبعضه فارسي أو قال كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به أو قال كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فاعربته كان مستجهلا لان العرب ليست بأولى أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العجم ولا العجم بأحق أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودا في الجنسين وان كان ذلك موجودا على ما وصفنا في الجنسين فليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كان من عنده من الجنس الآخر والمدعى أن مخرج أصل ذلك انما كان من أحد الجنسين إلى الآخر مدع أمر الا يوصل إلى حقيقة صحته الا بخبر يوجب العلم ويزيل الشك ويقطع العذر صحته بل الصواب في ذلك عندنا أن يسمى عربيا أعجميا أو حبشيا عربيا إذ كانت الأمتان له مستعملتين في بيانها ومنطقها استعمال سائر منطقها وبيانها فليس غير ذلك من كلام كل أمة منهما بأولى أن يكون إليها منسوبا منه فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها ومعناها ووجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمال سائر منطقهم فسبيل إضافته إلى كل جنس منها سبيل ما وصفنا من الدرهم والدينار والدواة والقلم التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد في أنه مستحق إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس باجتماع وافتراق وذلك هو معنى من روينا عنه القول في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب من نسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الحبشة ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الفرس ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الروم لان من نسب شيئا من ذلك إلى ما نسبه اليه لم ينف بنسبته إياه إلى ما نسبه اليه أن يكون عربيا ولا من قال منهم هو عربى نفى ذلك أن يكون مستحقا النسبة إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها وانما يكون الإثبات دليلا على النفي فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني كقول القائل فلان قائم فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما فأما ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى وذلك كقول القائل فلان قائم مكلم فلانا فليس في تثبيت القيام