محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
له ما دل على نفى كلام آخر لجوار اجتماع ذلك في حال واحد من شخص واحد فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به فكذلك ما قلنا في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها غير مستحيل أن يكون عربيا بعضها أعجميا وحبشيا بعضها عربيا إذ كان موجودا استعمال ذلك في كلتا الأمتين فناسب ما نسب من ذلك إلى احدى الأمتين أو كلتيهما محق غير مبطل فان ظن ذوغبا أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيل كما هو مستحيل في أنساب بني آدم فقد ظن جهلا وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر لقول اللّه تعالى ذكره ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان لان المنطق انما هو منسوب إلى من كان به معروفا استعماله فلو عرف استعمال بعض الكلام في أجناس من الأمم جنسين أو أكثر بلفظ واحد ومعنى واحد كان ذلك منسوبا إلى كل جنس من تلك الأجناس لا يستحق جنس منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره كما لو أن أرضا بين سهل وجبل لها هواء السهل وهواء الجبل أو بين بر وبحر لها هواء البر وهواء البحر لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سهلية جبلية أو بأنها برية بحرية إذ لم تكن نسبتها إلى احدى صفتها نافية حقها من النسبة إلى الأخرى ولو أفرد لها مفرد احدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى كان صادقا محقا وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرنا لها في أول هذا الباب وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك هو معنى قول من قال في القرآن من كل لسان عندنا بمعنى واللّه أعلم أن فيه من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به نظير ما وصفنا من القول فيما مضى وذلك أنه غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة مقر بكتاب اللّه ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود اللّه أن يعتقد أن بعض القرآن فارسي لا عربى وبعضه نبطي لا عربى وبعضه عربى لا فارسي وبعضه حبشي لا عربى بعد ما أخبر اللّه تعالى ذكره عنه أنه جعله قرآنا عربيا لان ذلك أن كان كذلك فليس قول القائل القرآن حبشي أو فارسي ولا نسبة من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضه بلسانه دون العرب بأولى بالتطول من قول القائل هو عربى ولا قول القائل هو عربى بأولى بالصحة والصواب من قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرناها إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه نظير الذي فيه من لسان العرب وإذ كان ذلك كذلك فبين إذا خطأ قول من زعم أن القائل من السلف في القرآن من كل لسان انما عنى بقيله ذلك أن فيه من البيان ما ليس بعربي ولا جائزة نسبته إلى لسان العرب ويقال لمن أبى ما قلنا ممن زعم أن الأحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها انما هي كلام أجناس الأمم سوى العرب وقعت إلى العرب فعربته ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له فقد علمت من خالفك في ذلك فقال فيه خلاف قولك وما الفرق بينك وبين من عارضك في ذلك فقال هذه الأحرف وما أشبهها من الأحرف غيرها أصلها عربى غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها من الوجه الذي يجب التسليم له فلن يقول في شئ من ذلك قولا الا ألزم في الآخر مثله فان اعتل في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها طولب مطالبتنا من تأوّل عليهم في ذلك تأويله بالذي قد تقدم في بياننا وقيل له ما أنكرت أن يكون من نسب شيأ من ذلك منهم إلى من نسبه