الشيخ محمد آصف المحسني

71

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ « 1 » . ويذكر أيضاً : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 2 » . وأيضاً : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 3 » . إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على اتّصافه بالصفات الكمالية الحميدة وتنزّهه عن النواقص والمعايب والإمكانية ، بل لو لم يكن في التوحيد له كلام سوى كلام تلميذه ووصيّه أمير المؤمنين ( ع ) لكان دليلًا باهراً على نبوّته وإليك أنموذجاً منه . يقول ( ع ) : الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصى نعماءه العادّون . . . الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود . . . أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّها غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : فيم ؟ فقد ضمّنه . ومن قال : علام ؟ فقد أخلى منه . كائن لا عن حدث ، موجود لاه عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة . فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه . . . إلى آخره . ومثلها غيرها من كلماته الشريفة الحكيمة « 4 » . وإنّني أقسم صادقاً أنّ البشر العادي في تلك الأعصار والأمصار لم يكن قادراً على إنشاء مثل هذه الخطب الجليلة العالية العميقة ، فإنّها علمت بعد بلوغ الفلسفة والكلام نصابهما في الأعصار المتأخّرة ، وهذا دليل قويّ على أنّ قائلها كان متّصلًا بالمبدأ الأعلى بلا واسطة ، أو بمن هو متّصل به ، والأوّل باطل قطعاً واتّفاقاً فيتعيّن الثاني ، فيثبت المطلوب فإنّ أستاذه ومعلّمه هو النبيّ الأعظم ( ص ) بلى ، هذا علي ومقامه العلميّ

--> ( 1 ) - البقرة 2 / 255 . ( 2 ) - الأنعام 6 / 102 - 103 . ( 3 ) - الأنعام 6 / 59 . ( 4 ) - لاحظ نهج البلاغة فإنّه نهج المعرفة والثقافة والإنسانية .