الشيخ محمد آصف المحسني
208
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الرواية غير متواترة وإنّما هي ما آحاد الأخبار « 1 » ، والإمامة عندكم من أصول الدّين التي لا بدّ في إثباتها من الدليل القطعي . وبالجملة : هذا الوجه وإن يكن إلزاماً على الخصم لكنّه ليس بدليل واقعاً عندكم ، وإن اشتهرت الرواية المذكورة حتّى نقلها العلماء المسيحيون منهم جرجي زيدان في كتابه تمدّن الإسلام والعرب . فإنّه يقال : إنّ هذا الخبر وإن فرضنا عدم بلوغه حدّ التواتر المصطلح ، لكنّه محفوف بقرينة نقطع أو نطمئن بصدوره عن النبيّ الخاتم ( ص ) والقرينة المذكورة وجودها في جملة من كتب الذين لا يرون خلافة أمير المؤمنين بعد النبيّ بلا فصل - كما هي مدلول الرواية - صحيحة ، بل يفنّدونها بشتّى الوسائل والأسباب ، بل ولو بتكفير المخالفين وقتلهم . ومثل هؤلاء الذين عاشوا في قرون مظلمة كان التحدث عن فضل عليّ ( ع ) فيها ذنباً كبيراً سياسيّاً - في قاموس مثل الأمويين وغيرهم - إذا ضبطوا رواية دالّة على نقيض مرامهم لا نحتمل الوضع والاختلاق والكذب فيها ؟ وهذا ممّا لا يخفى على ذوي فطرة سليمة « 2 » . ثمّ إنّ هنا عجيبة أخرى لا يمكن إهمالها ، وهي أنّ عليّاً ( ع ) كان يومذاك طفلًا صغيراً ، لم يبلغ الحلم ومع ذلك فقد أمره النبيّ بترتيب المجلس ودعوة القوم ، ثمّ قبول مؤازرته على أمره ( ص ) ثمّ جعله ( ص ) - وهو حديث السن - خليفة بعده ، وقيام عليّ في ذلك المجلس وهبة نفسه للفدا دون النبيّ ، كلّ ذلك دليل على جلالة شأنه وعظمة مقامه وتوجّه النبيّ الخاتم إليه وترجيحه على جميع قومه . الدليل الرابع حديث المنزلة الذي روي بتعابير مختلفة ، وهو قوله ( ص ) لعليّ : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » . بيان الدلالة : أنّ موسى ( ع ) سأل ربّه بقوله : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي « 3 » . فأجابه الله تعالى بقوله :
--> ( 1 ) - أمّا صحّة هذا الخبر من طرق القوم فممّا لا كلام فيه راجع المراجعات / 145 و 2 / 251 الغدير ( الطبعة الأولى ) و 2 / 278 و 2 / 298 ( الطبعة الثانية ) . ( 2 ) - وإن شئت أن يزيد يقينك بما ذكرنا فلاحظ تقدمة دلائل الصدق التي كتبها المحقّق الشيخ حسن المظفر ( رحمه الله ) فإنّها كافية للمرام . ( 3 ) - طه 20 / 29 - 32 .