الشيخ محمد آصف المحسني
119
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
عن البشر في وقت ما ، بل في كلّ زمان شريعة يجب على الناس اعتناقها وامتثالها . وقبل الإسلام كان الشريعة الرائجة الإلهية هي شريعة عيسى بن مريم ( ع ) في غير بني إسماعيل ، وفيهم شريعة إبراهيم الخليل ( ع ) على ما يظهر من بعض الروايات المتقدّمة ، ولا يعقل تخصيص النبيّ الأكرم من التكليف ، بل أمر التكليف في حقّ الأنبياء ( ع ) أشدّ . وقد حقّقنا فيما مضى أنّ مقتضى الأدلة عصمة النبيّ الأكرم وطهارته من الرجس من أوّل تمييزه ، وكلّ ذلك دليل على أنّه كان مكلّفاً قبل بعثته ، بل من ابتداء رشده وتمييزه ، فإنّه لا بدّ أن يكون مؤمناً من أوّل الحال وأن لا يتّصف بالكفر في لحظة كما قرّرناه في ذيل قوله تعالى : ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) « 1 » ، فلاحظ . وفي رواية زرارة قال : سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله من بعده ( ع ) يقولان : حجّ رسول الله عشرين حجّة مستسرة ، منها عشر حجّج أو سبعة - الوهم من الراوي - قبل نبوّته . والروايات في حجّة ( ص ) كثيرة فراجع الجزء الثامن من الوسائل « 2 » المطبوعة حديثاً ، وفي البحار « 3 » بعد قولهما ( عليهماالسلام ) : قل النبوّة : وقد كان صلّى قبل ذلك وهو ابن أربع سنين ، وهو مع أبي طالب ، انتهى . فما عن سيّدنا المرتضى - رضوان الله عليه - والغزالي وغيرهما من التوقّف في ذلك ، وما عن الآخرين من عدم تعبّده قبل البعثة لا مجال له أصلًا . نعم ، الذي يستصعب به المقام هو قوله تعالى : ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) « 4 » ولأجله ذهب بعض أهل السنة ! إلى كفره ( ص ) قبل البعثة « 5 » ، وبعضهم إلى عدم تكليفه بشيء قبلها لكن من يلتزم بالقول الأوّل لم يكن مؤمناً بالنبيّ الأكرم واقعاً ، فإنّ المسلم لا يتفوّه بهذه الترهات ، ومن يلتزم بالثاني فهو غافل عن مقامه الرفيع .
--> ( 1 ) - البقرة 2 / 124 . ( 2 ) - وسائل الشيعة 8 / 87 - 96 . ( 3 ) - البحار 15 / 361 . ( 4 ) - الشورى 42 / 52 . ( 5 ) - قال الرازي في تفسيره ذيل قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فأعلم أنّ بعض الناس ذهب إلى أنّه ( ص ) كان كافراً في أوّل الدمر ثمّ هذاه الله وجعله نبيّاً ، قال الكلبي : ( ووجدك ضالًّا فهدى ) يعني كافراً في قوم ضلّال فهداك للتوحيد : وقال السدي : كان على دين قومه أربعين سنة : وقال مجاهد : ( ووجدك ضالا ) أي عن الهدى لدينه . أقول : هكذا يعرفون نبي الإسلام سنّتهم .