الشيخ محمد آصف المحسني
77
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الأمر ؛ إذ لا شك أن الممكن متّصف في نفس الأمر بالحاجة ، وهذا الاتّصاف محتاج إلى علّة في نفس الأمر ، فهي إن كانت الامكان فهو ، وان كانت الحدوث فجاء فيه المحذور المذكور . وأمّا كونه علّة للتصديق بالحاجة فقط فهو خارج عن محلّ الكلام ، فإنّ البحث في العلّة في نفس الأمر لا في مقام الاثبات . فإن قيل : الإمكان - أيضا لكونه كيفية النسبة بين الماهية والوجود - متأخّر عن الوجود ، فلا يكون علّة للافتقار المتقدّم عليه بمراتب . فيقال : الإمكان إنّما هو كيفية النسبة بين الماهية ومفهوم الوجود من حيث هو متصوّر لا بين الماهية والوجود الحاصل لها ؛ ولهذا توصف الماهية بالإمكان قبل اتّصافها بالوجود بخلاف الحدوث ، فإنّه مسبوقية الوجود الحاصل للماهية بالعدم ؛ فلا شك في تأخره عن الإيجاد . والانصاف أن الحكم بعلّية الإمكان للافتقار ضروري أو قريب منه جدا ، فإنّ الإمكان هو تساوي الطرفين ، بمعنى عدم اقتضاء الممكن شيئا منهما في نفسه كما مرّ ، وهذا المعنى يعطي حاجته إلى المرجّح في أحد الطرفين بالضرورة ، ولا نعني بالعلّية إلّا هذا المعنى . وإن شئت فقل : كما أن الغناء معلول للوجوب والامتناع بلا مدخلية القدم فيهما ، فكذا الافتقار وعدم الغناء معلول لعدم الوجوب والامتناع - وهو الإمكان - بلا مشاركة الحدوث أصلا . نقل وابطال إن الذين قالوا بعلّية الحدوث للحجة زعموا أن الممكن متساوي الطرفين ، فلا حاجة له إلّا مع اعتبار حدوثه خرجا ، فما لم يلحظه العقل موصوفا بصفة الحدوث لم يجزم باحتياجه إلى سبب . وإنّ الإمكان إذا كان علّة للافتقار لاحتاج الباقي أيضا إلى المؤثّر مع أنّه غير ممكن ، فإن التأثير إن كان في الحاصل لزم تحصيل الحاصل ، وإن كان فيأمر متجدّد كان الباقي مستغنيا والتأثير إنّما هو في الحادث ، « 1 » ولاحتاج المعدوم منه أيضا إلى العلّة ، فيكون الأعدام الأزلية معلّلة مع كونها مستمرّة . وأمّا من ذهب إلى أن السبب هو الإمكان بشرط الحدوث فكأنه ظنّ أن العقل ما لم يحط بالإمكان المفسر باستواء الطرفين لم يحكم بالاحتياج إلى السبب ، وما لم يلحظ معه صفة الحدوث لم يتحقّق بنظره حصول الاحتياج . كما أن من دان باشتراكهما في السببية نظر إلى عدم تحقّق الحاجة بدون كلّ منهما . ويمكن أن يكون القولان الأخيران ناشئين من عدم ترجيح أحد القولين الأولين على الآخر ، فتوهّموا أن لكلّ من الامكان والحدوث مدخلية في السببية ، وأن
--> ( 1 ) شرح قواعد العقائد / 10 .