الشيخ محمد آصف المحسني

76

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

ممّا لا ينبغي أن يتكلّم فيه أكثر من ذلك ، وانما المهم معرفة علّة هذه الحاجة ، فإنّ الباحثين قد اختلفوا فيها على أقوال : فمنها : أنها الامكان . وهو مذهب الحكماء والمحقّقين من متأخّري المتكلّمين ، كما في الشوارق « 1 » . ومنها : أنها الحدوث . نسبه في المواقف إلى المتكلّمين « 2 » . وقيل : انه مذهب جماعة منهم . ومنها : أنها الامكان والحدوث مركبا . نقل عن بعض المتكلّمين . ومنها : أنها الامكان بشرط الحدوث . حكي أيضا عن بعضهم . ومنها : أنها الوجود . قال به بعض الفلاسفة الماركسية « 3 » . استدلّوا على الأول بأن العقل إذا لحظ كون الشيء بحيث يتساوى طرفا وجوده وعدمه بالنظر إلى ذاته حكم بإنّه لا يترجّح أحد طرفيه على الآخر إلّا لمرجّح ، سواء لاحظ الحدوث في هذه الحالة أو لم يلاحظه . فالعلم بإمكان شيء لما استلزم العلم بافتقاره دلّ على أنّ الإمكان هو العلّة للافتقار في نفس الأمر دون الحدوث ؛ إذ يمكن تصوّر الحدوث بلا استلزامه حصول العلم بافتقار الشيء الحادث إلى علّته ما لم يلحظ امكانه ، حتى لو فرض حادث واجب بالذات - فرض محال - يحكم باستغنائه عن المؤثر كما قيل ، والعمدة في نفي علّية الحدوث للحاجة - ولو بنحو الشرطية - أن الحدوث كيفية للوجود ؛ لأنّه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم ، فيتأخّر عن الوجود المتأخّر عن الايجاد المتأخّر عن الحاجة المتأخّرة عن الامكان . فلو كان الحدوث هو علّة الحاجة لكان سابقا على نفسه بدرجات وهو محال . وتوهّم صاحب المواقف « 4 » أن هذا الدليل مغالطة ناشئة من اشتباه الأمور الذهنية بالخارجية ؛ لان القائلين بعلّية الحدوث لا يريدون إلّا ان حكم العقل بالحاجة لملاحظة الحدوث وحده أو مع الامكان ، لا أنّ الحدوث علّة في الخارج للحاجة ، فيوجد فتوحد الحاجة ؛ لأنّ الحدوث والحاجة أمران اعتباريان ، فكيف يتصوّر كون أحدهما علّة للاخر في الخارج حتى يرد عليه ما أورد ؟ لكن خفي عليه أنّهما وإن لم يكونا بخارجيين إلّا أنهما من الأمور الموجودة في نفس

--> ( 1 ) الشوارق 1 / 80 . ( 2 ) شرح المواقف 1 / 412 . ( 3 ) فلسفتنا / 300 . ( 4 ) شرح المواقف 1 / 414 .