الشيخ محمد آصف المحسني
59
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
عدمها من عدم العلة وغيبتها ، ولو جعلت الضرورة مقيّدة لم تكن ذاتية أزلية ، وإذا لم يجب وجودها بلا شرط لم يكن الواجب لذاته واجبا لذاته ، وهذا خلف . أقول : في الأسفار زيادة على ذلك أتمّ بها نظم الاستدلال فلا حظ « 1 » . هذا ولكنه غير تام لما أورد عليه من النقض بالنسب والإضافات اللاحقة لذات المبدأ بجريان الحجة المذكورة فيها ، فيلزم أن يكون تلك الإضافات واجبة الحصول له تعالى بحسب مرتبة ذاته بلا مدخلية الغير فيها ، وأن يمتنع تجددها وتبدّلها عليه تعالى ، مع أن ذات الواجب غير كافية في حصولها لتوقّفها على أمور متغايرة متجدّدة متعاقبة خارجة عن الذات بالضرورة ، وهذا ممّا لا خفاء فيه ؛ ولذا اعترف به الشيخ ابن سينا في محكي الشفاء « 2 » حيث قال : ولا نبالي بان يكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود فإنّها من حيث هي علة لوجود زيد ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاته . انتهى . وقبله كثير من الاتباع كما قيل ، فهذه الحجة أيضا سقيمة وفيه إشكال آخر أيضا تركناه مخافة التطويل . وأمّا ما نسجه في الاسفار في إبرام هذا النقض فهو أليق بمقام الخطابة ، بل كلّه مغالطة من باب أخذ ما في الذهن مكان ما في الخارج ، كما نبّهنا عليه سابقا فلاحظ وتأمل حتى يظهر لك الحال ، نعم لو تم قاعدة كون بسيط الحقيقة كلّ الأشياء لصح بيانه ، كما صحّحه السبزواري بها على ما يظهر من حاشيته على المقام ، لكنها مزيفة جدّ كما ستأتي في محلّها إن شاء اللّه ، وسوف نهدم بنيانها ونخرّب أساسها . الثالث : إن كلّ ما هو ممكن للواجب من الصفات توجبه ذاته ، وكلّ ما توجبه ذاته فهو واجب الحصول . أمّا الكبرى فظاهرة ، وأمّا الصغرى فلأنها لو لم تصدق لكان وجوب وجود بعض الصفات بغير الذات ، فذلك الغير إن كان واجبا لذاته لزم تعدد الواجب ، وإن كان ممكنا فإمّا توجبه الذات فيلزم كونها موجبة للبعض الذي فرضناها غير موجبة إيّاه من الصفات ؛ إذ الموجب للموجب موجب أولا ، بل يكون وجوبه بموجب ثان يوجبه وننقل الكلام إليه ، فإما أن يذهب سلسلة الموجبات إلى غير النهاية أو ينتهي إلى موجب يوجبه الذات ويلزم خلاف المفروض ، والحاصل أنّ الذات لو لم توجب الصفات بأسرها لزم أحد الأمور الممتنعة من تعدد الواجب ، والتسلسل ، وخلاف المفروض « 3 » .
--> ( 1 ) الأسفار 1 / 124 . ( 2 ) الأسفار 1 / 126 . ( 3 ) شرح الهداية / 149 .