الشيخ محمد آصف المحسني

215

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

تعالى عقلية لا تعبّدية محضة ؛ إذ الفاعل المختار ما لم يتصوّر الشيء بحدوده لا يطلبه لعدم ترتّب غرضه عليه بعد كما لا يخفى . وأمّا ما عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » من تفسير القضاء والقدر بالأمر بالطاعة والنهي عن المعصية ، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية ، والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه ، والوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، وأن كل ذلك قضاء اللّه في أفعالنا وقدره بأعمالنا . . . الخ فهو لا ينافي ما ذكرنا ؛ لأن مصداق القدر في الأفعال الاختيارية للمكلفين من وجهتها التشريعية ليس الا ذلك ، فكأن الامام عليه السّلام لم يكن في مقام بيان تقدير الأفعال بما هي تكوينية بل بما هي متعلّقة للتكليف ، كما يظهر من ملاحظة صدر الرواية ، ولا شك أن جميع ما ذكره عليه السّلام قدر وقضاء . وبالجملة حمل الأمر والنهي وغيرهما - في هذه الرواية - على القضاء ليس من الحمل الذاتي والحصر المفهومي ، بل من الحمل الشائع الصناعي . وأمّا القضاء فهو الحكم البتي المستتبع للإمضاء غالبا ، فهو بمنزلة القصد فينا ، وإنما قلنا غالبا للجمع بين هذه الروايات ونحوها وبين ما دلّ على أن الدعاء - وكذا غيره - يرد القضاء . والخلاصة : أنّه يكتب في اللوح المحفوظ أولا أن الشيء الفلاني يوجد ، ثم يكتب توكيده واتمامه ، فكأن الأول مقتض لوجود الشيء والثاني شرطه ، ثم يكتب حدوده من خواصه وأوله وآخره وغيرها من تشخصاته ، ثم يكتب الحكم البتي على إيجاده ، فالأول هو المشيئة ، والثاني هو الإرادة ، والثالث هو القدر ، والرابع هو القضاء ، والخامس اعني - الايجاد والامضاء - هو الإرادة المبحوث عنها في الفريدة الأولى . قال الأديب الطريحي في مجمع البحرين في كلمة المشيئة : قال بعض أفاضل العلماء : المشيئة والإرادة والقدر والقضاء كلّها بمعنى النقش في اللوح المحفوظ ، وهي من صفات الفعل لا الذات . . . الخ . وسيأتي مزيد تصحيحه أيضا . ثم إن إتقان هذه الفريدة وإيضاحها موقوف على البحث عن مسائل مهمّة أخرى لا يمكن إهمالها ، فنقول وباللّه الاعتصام : المسألة الأولى : في اللوح المستفاد من الكتاب والسنة أن اللّه - في عالم الكون - كتابا ذكر فيه جميع الأشياء بتفاصيلها ، وقد اشتهر اسمه - على حدّ تفسير القرآن المجيد - باللوح المحفوظ ، وإليك نبذة من

--> ( 1 ) بحار الأنوار 5 / 96 ، 126 .