الشيخ محمد آصف المحسني

18

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

ونبغ منهم في كلّ عصر رجال أفذاد وأعلام هداة ، وأول مدرسة تخرج فيها هؤلاء الجهابذة الاسلاموين هي مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، « 1 » وهذا كتاب نهج البلاغة بين يديك وهو يدلك على حقيقة الحال ، ففيه أسرار التوحيد وخفايا التنزيه ومزايا المعارف الاعتقادية وكليات القوانين الاجتماعية والسنن الأخلاقية والرسوم السياسية وغيرها . ثم اتّسعت هذه المدرسة واشتهرت في عصر الإمامين العظيمين : الباقر والصادق عليهما السّلام حتى عدوا المتدرسين فيها إلى أربعة آلاف ، وقد تخرّج فيها الأكابر المتبحّرون والعلماء الكاملون أمثال هشام بن الحكم ومؤمن الطاق ويونس وزرارة وكثير من أقرانهم ، فتحمّلوا من علوم آل نبيهم وروّجوا ما تنوّر به المجامع العلمية الاسلامية والعالمية . والمذاهب المتقدّمة « 2 » حيث لم تتمكن من مقاومة هذه المدرسة في ميدان العلم والفضيلة ، قابلتها بالظلم والتعدّي والافتراء ؛ فلذا نسب إلى بعض هؤلاء الكالمين القول بالتشبيه ، وإلى آخر منهم القول بالتجسم ، وإلى ثالث الاعتقاد بحدوث صفات اللّه ، وهكذا ، بل جعل لكل من هؤلاء المنقادين لإمامهم الصادق عليه السّلام مذهب على حدة ! ولم يزل هذا الوضع المشؤوم إلى يومنا هذا ، يوم النور والتفكير ، فما من كتاب من هؤلاء الجماعة المتقدمة إلّا وفيه أباطيل منسوبة إلى الشيعة وهم براء منها وكم وقع عليهم الظلم والعدوان : وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر واللّه الهادي . . . وقد تحصّل ممّا سطر - ان لم تغلب العصبية على العاقلة - أن الأقدمين في علم الكلام وغيره من العلوم الشرعية هم الإمامية ، لأنهم أول من شرعوا في التأليف والتدوين ، فما في جملة من الكلمات من نسبة المسائل إلى المعتزلة أو الأشاعرة ثم نسبة المتابعة والموافقة إلى الامامية إما جهل أو عناد ، بل كثيرا ما يهمل نقل أقوالهم لجهات غير خفية على الخبير . ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين .

--> ( 1 ) قال ابن النديم في الفهرست / 263 ؛ أول من تكلم في مذهب الإمامة علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار ، وميثم بن جلّة أصحاب علي - رضي اللّه تعالى عنه - ولعلي من الكتب كتاب الإمامة ، كتاب الاستحقاق . أقول : قد سبق عليا غيره فلاحظ مقدمة وسائل الشيعة المطبوعة حديثا ؛ حتى تعلم أن الشيعة ابتدؤوا بتدوين الكتب من بدو ظهورهم . ( 2 ) قال الشهرستاني في أوائل ملله ونحله : أما رونق علم الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسية هارون وغيره ، وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة . وقيل : أوّل من تكلّم في علم الكلام أبو هاشم ابن محمد بن الحنفية .