الشيخ محمد آصف المحسني
19
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الفائدة الثالثة في بيان الأدلّة المسائل اليقينية إما ضرورات أو نظريات منتهية إليها قطعا . والضروريات المذكورة ست : منها : الأوليات : وهي ما لا يتوقف إدراكه لعى شيء زائد من تصوّر طرفيه وإن كان هذا التصور كسبيا كقولنا : الممكن محتاج ، وتسمى بالبديهيات أيضا . ومنها : الحسيات : وهي ما يحكم العقل به بواسطة إحدى الحواس فإن كانت ظاهرة تسمّى المشاهدات ، وإن كانت باطنة - وهي الحس المشترك ( بنطاسيا ) والخيال ، والواهمة ، والحافظة - تسمى الوجدانيات « 1 » ، وفيها يدخل ما تدركه النفس لا بتوسط الآلات ، مثل شعورنا بذاتنا وبصفاتنا النفسية كالخوف والسرور والحزن والجوع والشبع ونظائرها . قال المحقق اللاهيجي في بحث أعراض الشوارق : ويدخل في المشاهدات الباطنية : الوهميات التي جعلها بعضهم قسما سابعا ، وذلك ما يحكم به الوهم في المحسوسات فيصدّقه العقل في ذلك ، نحو كلّ جسم فهو في جهة . ولا يكون جسم واحد في مكانين ، فإن العقل يصدّق الوهم في أحكامه على المحسوسات لا على المجرّدات والمعقولات ، كحكمه بأن كلّ موجود في جهة أو مكان . . . الخ . ومنها : المتواترات : وهي ما يحكم العقل به لكثرة أخبار المخبرين ، بحيث يزول معها الشك والاحتمال بتواطؤ المخبرين على الكذب . ثم إن إفادة التواتر اليقين موقوفة على أمور : 1 - كون المخبر عنه أمرا محسوسا ؛ إذ لو كان أمرا حدسيا لما حصل اليقين منه لاحتمال خطأ الجميع في حدسهم كخطأ الفرد ، وهذا بخلاف الحسّيات حيث إن وضوحها ينفي هذا الاحتمال . وخالف فيه الفارابي « 2 » فذكر أنه لا حجّة أقوى من اجتماع الآراء على شيء واحد ، بل هو ظاهر جماعة من المتكلّمين حيث استدلّوا على إثبات الصانع بإجماع الأنبياء والعقلاء ،
--> ( 1 ) قيل : الفرق بين الوجدان - بكسر الواو - والوجدان - بضمّها - : أن الأوّل يطلق على القوّة المدركة ، والثاني على إدراكها . وقيل : المتداول إطلاق كلّ منهما على كلّ من المعنيين . ( 2 ) رهبر خرد / 236 .