الشيخ محمد آصف المحسني

172

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

الشيرازي حيث أورد على الحجة بأنّها مبنيّة على انعكاس الموجبة الكلّية كنفسها فلاحظ . فقد تلخّص : أن ما تخيّلوه من تقسيم العلم إلى الإجمالي والتفصيلي ، وجعل الأول عين ذاته تعالى ضعيف البنيان ، منهدم الأساس ، باطل الأركان ، وسيأتي أن ما ذكروه حول العلم التفصيلي أيضا لا يبتنى على ركن وثيق ، فإذن وجب الرجوع إلى ما قرّرناه من أن اللّه عالم بجميع الأشياء أزلا قبل وجودها تفصيلا ، وسنبرهن على أن هذا العلم عين ذاته المقدّسة . وأمّا كيفية هذا العلم وأنه كيف يتعلق بالمعلوم ؟ فهي خارجة عن قدرة نفوسنا وسلطة علومنا وما أوتيتم من العلم إلا قليلا « 1 » . وحيث إنّ هذا العلم عين ذاته فقد امتنع كونه حصوليا أو حضوريا لامتناع اتّحاد الصور أو الموجودات الخارجية مع الذات الواجبة تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، ومن قال بأحدهما فإنّما هو في علمه التفصيلي الزائد على ذاته بزعمه كما ستعرفه . ثم إنّ هذا العلم الإجمالي لا يكفي لتحقيق هذا النظام الأجمل الموجود ، فإنّه يقتضي العلم التفصيلي المتقدّم كما لا يخفى . وهذا الإشكال يجري في التقريب الأول بلا خفاء . وأمّا في الثاني فلأنّا نقول : إنّ القائل به ، وإن يسند النظام إلى الصور المذكورة ؛ إلّا أنها أيضا تحتاج في صدورها عن الواجب إلى علم سابق عليها . وما قيل : من أن علمه بذاته يكفي لصدورها فهو مما لا برهان عليه . وأما في الثالث فلأجل أن العلم المفروض مجمل وبسيط ، فلا يفي لفاعليته التامّة الكاملة الاختيارية ، فتأمّل . الجهة الخامسة : في العلم التفصيلي للحكماء معلومية الشيء إمّا بمجرّد حضور ذاته وعدم غيبتها ، أو بتوسّط صورته . والأول هو العلم الحضوري ، والثاني هو العلم الحصولي . وكلا العلمين فينا متحقّق ، فإنّا نعلم ذاتنا بنفس ذاتنا ، والصور المرتسمة في أذهاننا بنفس تلك الصور ، ونعلم الأشياء الخارجية بصورها وهذا واضح . وإنّما الكلام في العلم التفصيلي الثابت للواجب تعالى ، وأنّه حصولي أو حضوري ؟ فيه خلاف شديد ، فذهب أرسطو وغيره وتوابع المشائين - منهم الشيخان : أبو النصر الفارابي وابن سينا ، وتلميذه بهمنيار وكثير من المتأخرين - إلى الأول وتخيل ارتسام صور الممكنات في ذاته تعالى وحصولها فيها . وسلك السهروردي ( بل في الأسفار : وحكم بصحة هذه الطريقة كل من أتى بعده ) الثاني وأنّ الأشياء - سواء كانت مجرّدات أو مادّيات . مركّبات أو

--> ( 1 ) الإسراء 17 / 85 .