الشيخ محمد آصف المحسني

171

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

الصور المعقولة عنه ، ومفاد هذا الكلام عند الغور والتعمّق أنه لا علم ذاتي له تعالى بما سواه ، فهو يعلم ذاته بذاته وأمّا ما سواه فهو غير معلوم له بعلمه الذاتي ، بل بالصور المعقولة الفائضة عنه . هذه هي فلسفة ابن سينا وغيره من المشائيين ، اللهم إلّا أن يقال : إن ذاته الأحدية مشتملة على جميع الأشياء بحذف حدودها ، فيكون علمه بذاته علم بما سواه إجمالا ، كما مرّ في بيان مقالة صاحب الأسفار . لكن هذا القائل غير متوجّه إلى هذه الجهة ، ومع فرض توجّهه إليها فقد دريت أنّها باطلة فلا تنفعه . وبالجملة : لم يتحصّل لنا من كلامه بيان معقول لعلم الواجب الذاتي الإجمالي بما سواه . الثالث : ما نقلوه « 1 » عن أكثر متأخّرى الفلاسفة ، وتوضيح مذهبهم بإيراد مثال في علم الإنسان فإن له أقساما ثلاثة : أحدها : أن يكون له ملكة تحصل من ممارسة العلوم والادراكات بقدر ، ويتمكّن بحصول تلك الملكة من استحضار الصور العقلية التي كان اكتسبها من قبل متى شاء بلا تجشّم كسب جديد ، وإن كان تلك العلوم والإدراكات غير حاضرة في نفسه ؛ إذ ليس في وسعها أن تعقل الأشياء معا . ثانيها : كونه بحيث يورد عليه مسائل كثير دفعة ، فيحصل له علم إجمالي بجواب الكلّ ، ثم يأخذ بعده في التفصيل شيئا فشيئا ، فهو يعلم من نفسه يقينا أنّه يحيط بالجواب جملة ، ولم يفصّل في ذهنه بترتيب الجواب ، ثم يخوض في الجواب مستمدّا من الأمر البسيط الذي يدركه من نفسه . فهذا العلم الواحد البسيط فعّال للتفاصيل . ثالثها : أن يكون علومه وصوره العقلية تفصيلية زمانية على سبيل الانتقال من معقول إلى معقول على سبيل التدريج ، فاثبتوا القسم الثاني الذي هو متوسّط بين الصورتين للواجب تعالى وقالوا : إنّه العلم الإجمالي الذاتي المقدّم على وجود الأشياء . نعم إنّ هذه الحالة البسيطة الخلّاقة للمعقولات المفصّلة ملكة وصفة زائدة في النفس ، وفي الواجب ذاته بذاته . وهل هذا صحيح ليس فيه القوّة ، أو لا بل هو حالة متوسّطة بين الفعلية المحضة والقوة المحضة ؟ فيه كلام بين الشيخ الإشراقي وصاحب الأسفار ، وبين اللاهجي والسبزواري ، فالأولان على الثاني والأخيران على الأول . وكيفما كان ، فقد استدلّوا على وجود هذا العلم بأن الواجب مبدأ مجعولاته المتميّزة في الخارج . ومبدأ تمييز الشيء يكون علما به ؛ إذ العلم ليس إلّا مبدأ التمييز . أقول : وفيه : أن العلم وإن كان مبدأ التمييز إلّا أن مبدأ التمييز على دائما ، فهو غير مبين . ولعلّ هذا مراد الحكيم

--> ( 1 ) الناقل هو صاحب الأسفار وصاحب الشوارق والسبزواري وغيرهم قدّس سرّهم .