الشيخ محمد آصف المحسني
163
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
والرازقية والإضافة إلى كلّ شخص . وقال غيرهم : يجوز أن يكون ذاته محلّا للحوادث . كما جوّز طائفة من الحكماء كونه محلّا للحوادث ، قابلا للصور المعلومات الغير المتغيرة . ولم يجوز « 1 » التغير في صفاته في هذا الوضع ، وأنكر التغيّر أصلا وقال : العلم بما سيوجد هو العلم بوجوده عين وجوده . إلى أمثال ذلك من المتمسكات الواهية . أمّا الحكماء فالظاهريون المنتسبون إليهم قالوا : إنه تعالى عالم بالجزئيات على الوجه الكلّي لا على الوجه الجزئي . فقيل لهم : لا يمكن أن ينكر وجود الجزئيات على وجه الجزئية المتغيرة ، وكلّ موجود فهو في سلسلة الحاجة إلى الباري تعالى الذي هو المبدأ والعلّة الأولى ، وعندكم أن العلم التامّ بالعلّة التامّة يستلزم العلم التامّ بمعلولها ، وأن علم الباري تعلى بذاته أتمّ العلوم ، فأنتم بين ان تعترفوا بعلمه تعالى بالجزئيات على وجه الجزئية المتغيرة ، وبين أن تقرّوا بانثلام إحدى المقدمات المذكورة ؛ إذ من الممتنع أن يستثنى من الاحكام الكلّية العقلية بعض جهاتها الداخلة فيها ، كما يستثني في الأحكام النقلية بعضها لتعارضها الأدلة السمعية . فهذه على المذاهب المشهورة . . . الخ . أقول : ما ذكره ابن سينا ونقل عن أكثر الحكماء من نفي علمه بالجزئيات على وجه جزئي مبني على كون علمه تعالى حصوليا وبارتسام الصور ، وعلى هذا يلزم التكثير في علمه أيضا ، وما أجيب عنه يشكل الاعتماد عليه . ولكن أسلفنا أن المستفاد من الأدلة أن اللّه عالم أزلا بجمع الأشياء إلى الأبد فقط . وأما كيفية هذا العلم فقد ذكرنا أنّها غير معلومة لنا ولا يمكن إدراكها للممكن المحدود ، فإن الإحاطة بعلمه عين الإحاطة بذاته المقدّسة ، وهي مستحيلة اتّفاقا وبرهانا . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى إنا سنبرهن على إبطال العلم الحصولي الذي تخيّله هذا القائل وأصحابه في مستأنف القول إن شاء اللّه فاذن لا موقع لهذا المسلك . ولعلّ ما ورد في الكتاب والسنة من إتّصافه تعالى بالسميع والبصير يدفع هذا القول صريحا فتأمل . وخلاصة المقال : أن علمه تعالى ليس بحصولي ولا بحضوري ، بل إنّه عالم بالأشياء قاطبة ، وعلمه عين ذاته ، فلا بد حينئذ من أن لا يوجب تغير المعلوم إلّا تغيّرا في ناحية الإضافة والنسبة لا في العلم نفسه ، كما في الجواب الثالث ، فالجواب المذكور صحيح لكن بعد إنكار انحصار العلم في الحصولي والحضوري وإقامة البرهان على عمومه علمه . الثامن : إنه لا يعلم الأشياء قبل وجودها . نسبه الشهرستاني في الملل والنحل « 2 » إلى
--> ( 1 ) في العبارة سقط قطعا واشتباه لفظي أيضا ، ولم يحضرني المصدر نفسه . ( 2 ) الفصل لابن حزم ( الهامش ) 1 / 35 .