الشيخ محمد آصف المحسني
164
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
هشام بن عمرو الغوطي لاقدري والأصم من أصحابه ، وأنهما اتّفقا على أن اللّه تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها ، ومنعا كون المعدوم شيئا . ونسبه إلى هشام بن الحكم وزرارة أيضا . أقول لا يجوز للمسلم المحقّق وللباحث المدقّق الاعتماد على كتاب الشهرستاني ، فإنه مشحون بالافتراءات والاشتباهات التي لا يمكن المسامحة فيها ، وقد غلب عليه التعصّب فنسب إلى مخالفيه في مذهبه ما نسب . ونحن لا نحتمل أن زرارة قال بهذه المقالة الرديئة ولا هشام بن الحكم بعد انقطاعه إلى الإمام الصادق عليه السّلام ، كيف وهو الذي يروي لنا عن الصيقل عن الإمام الصادق عليه السّلام عن عيسى بن منصور عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام : أن اللّه علم لا جهل فيه ، وحياة لا موت فيه ، ونور لا ظلمة فيه « 1 » ؟ ! فإذا علم من إمامه أنّ العلم عين ذات الباري تعالى فكيف يعتقد حدوث علمه ؟ وأيضا قد مرّ روايته عن الصادق عليه السّلام بأن اللّه يعلم الحوادث قبل وجودها ، لكن الشهرستاني لا يلتفت إلى ذلك ، بل يريد أن يخترع مذهبا باسم الهشامية ومذهبا باسم الزرارية وهكذا تكثيرا لفرق الشيعة ، لأغراض غير خافية على المتأمّلين ، وإلّا فهشام وزرارة ويونس ومؤمن الطاق وأمثالهم من الأجلّاء والأعيان ليسوا الا من الفرقة الإمامية المعتقدين بإمامة الاثني عشر إماما من آل محمد صلى اللّه عليه وعليهم ، ولا وجود للهشامية والزرارية وأمثالهما من المذاهب المتخيّلة في خيال الشهرستاني ومن قلّده من متكلّمي الأشاعرة وغيرها . ومن هنا لا جزم لنا ولا ظن بأنّ هشام بن عمرو الغوطي والأصم قالا بنفي علمه تعالى ، غير أن الشيخ الأعظم المفيد قدّس سرّه نقل هذا القول عن الغوطي المذكور كما تقدّم ، بل أن العلامة الحلي قدّس سرّه نقل « 2 » عن جمع من قدماء المتكلّمين أنّه تعالى لا يعلم الموجود الزماني إلّا عند وجوده ، وهذا هو الذي اختاره السهروردي المقتول رئيس الفلاسفة الإشراقيين ، قال اللاهجي في شوارقه « 3 » : نفى صاحب الإشراق العلم المقدّم على الايجادات كلّها مطلقا ، وأبطل العناية رأسا زعما أن قبل كون الموجودات ووجودها ذهنا وخارجا كيف يتصوّر تحقق العلم بها ؟ فإن العلم بها لا يتصوّر بدون وجودها ذهنا أو خارجا ؛ ضرورة عدم تمايز المعدومات الصرفة ، ولا يمكن وجود الموجودات قبل وجودها ، أما خارجا فظاهر ، وأما ذهنا فللزوم الكثرة في ذاته تعالى ، فليس للواجب علم فعلي أصلا . انتهى .
--> ( 1 ) بحار الأنوار 4 / 84 نقلا عن توحيد الصدوق . ( 2 ) شرح قواعد العقائد / 45 . ( 3 ) الشوارق 2 / 224 .