الشيخ محمد آصف المحسني

160

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

حيث هي محسوسة ومتخيلة بآلة متجزية ، وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له ، كذلك إثبات كثير من التعقلات ، بل الواجب الوجود إنما يعقل كلّ شيء على نحو كلي ، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات والأرض ، وهذا من العجائب التي يحوج تصوّرها إلى لطف قريحة . قال في التعليقات « 1 » في ضمن كلام له : وأمّا أنه كيف يكون علمه ؟ فهو ان يكون بسبب ، أعني ان يكون يعرف الموجودات كلّها على وجه كلّي ، وإذا كانت الأشياء كلها واجبة عنده إلى أقصى الوجود فإنه يعرفها كلّها ؛ إذ كلّها من لوازمه ولوازم لوازمه ، وإذا علم أنه كلّها كان كذا ، أعني جزئيا ، وكلّما كان كذا كان كذا اعني جزئيا آخر ، ويكون هذه الجزئيات مطابقة لهذا الحكم ، يكون قد عرف الجزئيات على الوجه الكلّي الذي لا يتغير الذي يمكن أن يتناول أي جزئي كان ، لا هذا المشار اليه . ثم قال : ومثل هذا أن منجّما يعلم أن الكواكب ( هكذا ) الفلاني كان أولا في الدرجة الفلانية ، فصار إلى الدرجة الفلانية ، ثم بعد كذا ساعة قارن الكواكب الفلاني ، ثم دخل بعد كذا ساعة في ذلك الكسوف ، ثم بقي كذا ساعة في ذلك الكسوف ، ثم فارق الشمس وانجلي ؛ يكون قد عرف كل ذلك بأسبابه ولا يكون قد عرف أن هذا الكوكب في هذه الساعة في الدرجة الفلانية حتى يكون الساعات التي بعدها مستندة إلى هذه المشار إليها ويتغير علمه بتغير الأحوال وبحدودها . فإذا عرف على الوجه الذي ذكرنا - أعني بالسبب - كان حكمه في اليوم وغدا وأمس حكما واحدا ، والعلم لا يتغير ، فإنّه صحيح دائما في هذا الوقت وفيما قبله وفيما بعده أن الكوكب الفلاني كذا ساعة يقارن الكوكب الفلاني ، فاما إن قال : إن الكوكب الفلاني في هذا الوقت الفلاني المشار إليه المستفاد علمه من خارج ، متقارن لكوكب الفلاني ( هكذا ) وغدا مقارنا لكوكب آخر ، فإنه إذا جاء الغد بطل الحكم الوقتي والعلم الوقتى ، فإذن الفرق بين العلمين ظاهر . فواجب الوجود علمه على الوجه الكلي علم لا يعزب عنه مثقال ذرة ، وهذا الكسوف الشخصي وإن كان معقولا على الوجه الكلي ؛ إذ قد علم بأسبابه ، والمعقول منه حيث يجوز حمله على كسوفات كثيرة كلّ واحد منها حاله حال هذا الكسوف ، فإن الأول تعالى يعلم أنه شخص في الوجود وعلمه محيط بوحدانيته ، فإنه إن لم يعرف وحدانيته لم يعرفه حقّ المعرفة ، وكذلك نظام الموجودات عنه . وإن عرفه على وجه كلّي بحيث يكون معقولة يجوز حمله على كثيرين ، فإنه يعلم أنه واحد ، وعلمه بأن هذا الكسوف شخصي لا يرفع المعقول الكلي والعلم ما

--> ( 1 ) الشوارق 2 / 254 .