الشيخ محمد آصف المحسني
161
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
يكون بأسباب ، والمعرفة ما يكون بمشاهدة ، فالعلم لا يتغير البتة وإن كان جزئيا ، فطن علمنا بأن الكسوف غدا يكون مركّبا من علم ومشاهدة ، ولو كان غد لم يكن مشار إليه بل كان معلوما بأسبابه لم يكن إلّا علما كلّيا . ولم يكن يجوز أن يتغيّر ، ولم يكن زمانيا ، فإن كلّ علم لا يعرف بالإشارة وبالاستناد إلى شيء مشار إليه كان بسبب ، والعلم بالمسبب ما دام السبب موجودا ، لكن العلم الذي يتغير هو ان يكون مستفادا من وجود الشيء ومشاهدته ، فواجب الوجود تعالى منزّه عن ذلك ؛ إذ لا يعرف الشيء من وجوده فيكون علمه زمانيا ومستحيلا ومتغيرا . انتهى ما أردنا نقله من كلامه . واعلم أنه كما يصحّح العلم بالجزئيات المتغيّرة من هذا الطريق ، كذلك يصحّح العلم بالجزئيات المتشكلة أيضا ، فإن إدراك المتشكلات إذا لم يكن من سبيل الجزئية المستندة إلى الإشارة والاحساس ، بل من سبيل التخصيص بصفات مستندة إلى مبدأ نوعه في شخصه ، لا يستدعي الانطباع في آلة جسمانية ، كما قاله اللاهجي في شوارقه . وقال أيضا : إن نفي علمه تعلى عن الجزئيات على وجه الجزئية ، عبارة عن نفي الإحسس بها عنه ، كما هو صريح كلام الشيخ ، ولا يلزم من نفي الإحساس بالشيء نفي العلم به « 1 » . أقول : وللمتكلّمين في جواب هذه المقالة أقوال : الأول : ما قيل من أن العلم إضافة محضة ، والتغير الحاصل فيه لا يستلزم التغير في نفس الذات ، بل التغيّر في مفهوم اعتباري وهو جائز ، وإدراك المتشكّل إنّما يحتاج إلى آلة جسمانية إذا كان العلم حصول الصورة ، وأما إذا كان إضافة فلا . أقول : وهذا المجيب نسي مذهبه في صفاته تعالى من أنّها صادرة عنه تعالى أزلا وقائمة به ، وإلّا لم يقل : إنه اعتباري محض . وأيضا أليس الممكن القديم عندهم مستندا إلى الموجب دون المختار كما مرّ ؟ أوليس القديم يمتنع عليه العدم والزوال لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته ؟ فكيف سوّغ تغير العلم ؟ ! وأيضا العلم بزعمه قائم به تعالى قيام العرض بمحله ، فلو تغير وتجدد للزم كونه تعالى محلّا للحوادث ، وهو باطل عقلا واتّفاقا . الثاني : ما عن أكثر الأشاعرة ومشايخ المعتزلة « 2 » من أنّ العلم بأنّه وجد الشيء والعلم بأنه سيوجد واحد ، فإن من علم أن زيدا سيدخل البلد غدا ، فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم أنه دخل البلد الآن إذا كان علمه هذا مستمرا بلا غفلة مزيلة له ، وإنما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدّد يعلم به أنه دخل الآن ، لطريان الغفلة عن الأول ، والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة ، فكان
--> ( 1 ) وكأن هذا القول معادم لكونه تعالى بصيرا وسميعا . ( 2 ) شرح المواقف 3 / 62 .