الشيخ محمد آصف المحسني
151
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
ثم قال بعد كلام طويل : فإن قلت فإذا ثبت كون الأشياء كلّها معقولة له تعالى - كما هي عليها - بعقل واحد بسيط فما الحاجة في علمه تعالى إلى إثبات الصور العقلية الزائدة مقارنة كانت أو مباينة ؟ وأيضا إذا كان ذاته تعالى بحيث ينكشف له الحقائق المتخالفة في وجوده الخارجي فما الحجّة على إثبات العقل من طريق أحدية المبدأ الأعلى ؟ إذ مبناه على أنه واحد من كل وجه بلا اختلاف حيثية ، وأنتم أثبتم في ذاته معاني كثيرة . قلت : أما إثبات الصور فهو لازم من تعقّله لذاته المستلزم لتعقّل ما هو معلوله القريب ، ومن تعقّل معلوله تعقّل معلول معلوله الثالث ، وهكذا الرابع والخامس إلى خر المعلولات على الترتيب العلّي والمعلولي ؛ فإن ذاته لما كان علّة للأشيء بحسب وجودها ، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بمعلولها على الوجه الذي هو معلولها ، فتعقّلها من هذه الجهة لا بدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحدا بعد واحد ، وهذا غير تعقّها على وجه لا يكون هو بحسبه معلولة . وأمّا وجوب كون المعلول الأول واحدا لا متعدّدا وبسيطا لا مركّبا ، مع كون المبدأ الأعلى مصداقا ومظهرا لماهيّات الممكنت كلها ، فذلك لأجل أن تكثر العنوانات لا يقدح في أحدية ذات الموضوع ؛ فإن الحيثيات المختلفة التي توجب كثرة في الذات ، هي الحيثيات التي اختلافها بحسب الوجود لا التي تعدده واختلافها بحسب الآثار . فمثال الأول كالاختلاف في القوّة والفعل والتقدّم والتأخّر والعلّية والمعلولية والتحريك والتحرّك . ومثال القسم الثاني كالعلم والقدرة ، وكالعاقلية والمعقولية وكالوجود والتشخص وغيرها . انتهى كلامه . أقول : هذه النظرية وإن كانت مبنيّة على أصالة الوجود ووحدته ، إلّا أن العمدة في طريقها هي القاعدة القائلة بأنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء ، كما صرّح به نفسه ؛ وحيث إنّ القاعدة المذكورة عندنا ضعيفة الأركان منهدمة الأساس ، فقد سقط هذا المسلك أيضا بلا كلام . وأما بيان بطلان القاعدة فستلاحظه في المقصد الثالث إن شاء اللّه بأوضح كلام وأوثق برهان . ثم إنّا لو أغمضنا النظر عن هذه الناحية وفرضنا المقدمات صحيحة لما ترتّبت عليها هذه النتيجة ؛ وذلك لأنّ اندكاك الأشياء فيه تعالى ليس بنحو التعيين والتمييز ، وإلّا للزم الكثرة فيه ، كما صرّح هو به أيضا ، بل بنحو حذف حدودها وتشخصاته ، ومن الواضح أن العلم بمثل هذا الوجود الجمعي الفاقد للميزات لا يستلزم العلم بالأشياء تفصيلا ، كما تخيله المستدل ، بل لا يستشمّ منه رائحة التفصيل ، فإنه علم إجمالي تعلّق بأصول الموجودات تعلّقا في غاية الإجمال