الشيخ محمد آصف المحسني
152
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وشدّة الابهام ونهاية الاهمال ، كما اعترف به اللاهجي أيضا حيث قال : بعد ما اختار هذا المسلك وبيّنه تحت عنوان « تكميل عرشي » : وهذا هو المراد من كون ذاته تعالى علما إجماليا بالأشياء وعقلا بسيطا لها على ما حصلناه من كلام الشيخ . . . إلى أن قال : فبالاضطرار لزم القول بالعقل التفصيلي المحقّق بحصول صور المهيات في العاقل متميّزة بعضها عن بعض وعن الوجود في علمه تعالى بالأشياء ، وهذان العلمان هما المشار إليهما بالكلّ الأول والكلّ الثاني في كلام الفارابي في الفصوص « 1 » . . . الخ فهذا المسلك أيضا غير مفيد . هداية بعد ما بطل هذان المسلكان ولم يتمّا ، فلا تتمنّ الوصول إلى الواقع عن بقيّة المسالك الدائرة في بيان علمه بالأشياء أزلا ، وكيفية تعلقه بها : « چون نديدند حقيقت ره افسانه زدند » ، فالذي ينبغي أن يقال في هذا المقام : إنّا قد برهنّا سابقا على أنّ فعل الفاعل المختار مسبوق بالعلم بالضرورة ، فإذن نعلم أن الذي خلق هذه الكائنات المختلفة المتعدّدة المتكثرة عالم قطعا ، وإنّما خلق ما خلق عن علم سابق على خلقته بالضرورة العقلية ، فقد ثبت أنه تعالى كان عالما قبل فعله وخلقه بما يفعله ويخلقه ولو بلحظة ثبوتا بتّيا ضروريا عقلا ، بحيث لا يمسّه شك ، فإذا أمكن العلم قبل المعلوم ولو بلحظة فقد أمكن قبله ولو بملايين السنين ؛ بداهة عدم تأثير قصر المدّة وطولها في الحكم العقلي من الإمكان والامتناع ؛ لأنّ الشيء إن كان ممكنا فهو ممكن أزلا وأبدا ، وإن كان ممتنعا فهو ممتنع كذلك ، ولا يعقل انقلاب الجهات الثلاث عقلا واتّفاقا فإذن نستيقن أن العلم بالأشياء قبل كونها ولو بقليل ثابت ، وبكثير ممكن ، وقد دريت أن ما أمكن في حقّه ، ولم يمتنع عليه فهو واجب له ، فنستنتج أنه تعالى عالم بجميع الأشياء تفصيلا في الأزل . ولك أن تحصّل النتيجة المذكورة من دون توسيط قاعدة الملازمة المزبورة بأن تقول : حيث إنّه تعالى فاعل مختار ، فهو عالم بفعله قبل فعله كما مر ، وحينئذ نسأل عن حين حدوث هذا العلم ؟ وأنه في أي جزء من الزمان أو غيره حدث ؟ فأي جزء اختير فيه حدوث علمه فهو ترجيح بلا مرجّح بل ترجّح بلا مرجح ، وهو ضروري الاستحالة ؛ أو يقال : إنّ العلم عين ذاته كما يأتي برهانه في المقصد الرابع ، فلا يمكن القول بحدوثه فيما لا يزال ، بل وجب الإذعان بثبوته فيما لم يزل . وحاصل هذه الطرق الثلاثة - أي قاعدة الملازمة ، وحديث الترجّح بلا مرجّح ، وقانون العينية - أن جميع ما يصدر عن الخلّاق الحكيم المختار ، وما سيصدر عنه تعالى إلى الأبد فهو
--> ( 1 ) الشوارق 2 / 251 .