الشيخ محمد آصف المحسني
150
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الزمان والمكان والكيف عنه كلاما طويلا نذكر شطرا منه . قال : إن المخلوقات ، وإن لم تكن موجودة في الأزل لا نفسها وبقياس بعضها إلى بعض ، على أن يكون الأزل ظرفا لوجوداتها كذلك ، إلّا أنّها موجوة في الأزل للّه سبحانه وجودا جمعيا وحدانيا غير متغيّر ، بمعنى أن وجوداتها اللايزالية الحادثة ثابتة للّه سبحانه في الأزل كذلك . وهذا كما أن الموجودات الذهنية موجودة في الخارج إذا قيّدت بقيامها بالذهن ، وإذا أطلقت من هذا القيد فلا وجود لها إلّا في الذهن ، فالازل يتّسع القديم والحادث والأزمنة وما فيها وما خرج عنها . . . الخ . فهو وإن لم يصرّح هنا بأن هذا هو طريق تعلّق علمه بالأشياء أزلا ، لكنّه سلم وأصرّ على أن نسبة الأزمنة إليه كالأمكنة واحدة ، وإنّما الاختلاف بالقياس إلى الحوادث نفسها فيسهل استنتاج المطلوب منه بل صرّح به في موضع آخر من ذلك الكتاب « 1 » . أقول : قياس الأزمنة على الأمكنة واضح الفساد ولائح الفرقان فإن الأولى غير قارّة لا يمكن وجوده بجميع أفرادها دفعة واحدة وإن قايسناها إلى من هو خارج عن سجن المكان والزمان ، فإن القصور راجع إلى الزمان نفسه لا إلى غيره حتى يفرّق بين الزماني وغيره ، وهذا بخلاف الأمكنة فإنها غير تدريجية الحصول بل هي من الأمور القارة ، وكذا الخيط المختلف الألوان . وبالجملة : هذا الوجه وإن كان له صورة في بدء النظر ، ويرتضيه العقل والنقل من نتيجته على تقدير تماميته ، لكنه ضعيف الأساس عند التأمل ، بل لم أجد دليلا عليه في كلمات من ذكره غير ذكر المثال المذكور . المسلك الثاني : ما سلكه صاحب الأسفار ومن تبعه ، وقد نسبه في أسفاره إلى طريقة قدماء الحكماء ، وهو أن الواجب تعالى هو المبدأ الفياض لجميع الحقائق والماهيات ، فيجب أن يكون ذاته تعالى مع بساطته وأحديته كلّ الأشياء ، وقال : نحن قد أقمنا البرهان على أن البسيط الحقيقي من لوجود يجب أن يكون كلّ الأشياء ، فإذن لمّا كل وجوده تعالى وجود كلّ الأشياء فمن عقل ذلك الوجود عقل جميع الأشياء ، وذلك الوجود هو بعينه عقل لذاته وعاقل ، فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته ، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه ، وعقله لذاته مقدّم على وجود جميع ما سواه ، فعقله لجميع ما سواه سابق على جميع ما سواه ، فثبت أن علمه تعالى بجميع الأشياء حاصل في مرتبة ذاته بذاته قبل وجود ما عداه ، سواء كانت صورا عقلية قائمة بذاته أو خارجة منفصلة عنها ، فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه والإجمالي بوجه ؛ وذلك لأن المعلومات على كثرتها وتفصيلها بحسب المعنى موجودة بوجود واحد بسيط ، ففي هذا المشهد الإلهي والمجلي الأولي ينكشف ويتجلّى الكلّ من حيث لا كثرة فيها ، فهو الكلّ في وحدة .
--> ( 1 ) الوافي 1 / 98 .