الشيخ محمد آصف المحسني
146
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
سليمان وجنوده وهم لا يشعرون « 1 » . فقد حذرت قومها من عدم شعور الانسان . والهدهد علّم سليمان وأخبره عن ملكة اليمن . وبالجملة : الكتاب والسنة والعلم الحديث تدلّ على علم الحيوانات وشعورها ، فالبرهان غير منتقض . بقي شيء يجب بيانه وهو أن التفتازاني ذكر في محكي كلامه « 2 » أنّ المحقّقين من المتكلّمين على أن طريقة القدرة والاختيار أوكد وأوثق من طريقة الاتقان والاحكام ؛ لأنّ عليها سؤالا صعبا ، وهو أنّه لم لا يجوز أن يوجب الباري تعالى موجودا يستند إليه تلك الأفعال المتقنة المحكمة ويكون له العلم والقدرة ؟ ودفعه بأن إيجاد مثل ذلك الموجود وإيجاد العلم والقدرة فيه يكون أيضا فعلا محكما بل أحكم فيكون فاعله عالما ، لا يتم إلّا ببيان أنّه قادر مختار ، إذ الإيجاب بالذات من غير قصد لا يدلّ على العلم ، فيرجع طريق الاتقان إلى طريق القدرة مع أنّه كاف في إثبات المطلوب . انتهى . قلت : صدور الممكن العالم الفاعل لهذه المتقنات المحكمات من العلة الموجبة العديمة الشعور غير معقول ، فإنّه يرجع إلى صدور العلم عن الجاهل كما يدعيه الماديون ، وقد نبّهنا سابقا على استحالته بالضرورة العقلية . فهذه الشبهة سخيفة جدا بل هذا البرهان أوثق وأوكد وإن كانت طريقة الاختيار أعمّ مدلولا . الخامس : إنّ الجهل نقص ، والنقص عليه محال . أقول : إن فرضنا الكبرى ضرورية أو فطرية أي متسالمة عند جميع العقلاء كما قد يظهر ذلك من بعضهم فهو ، وإلّا فالمدعى أسهل إثباتا من الكبرى ، وسيأتي بحثها إن شاء اللّه . السادس : إخباره عن المغيّبات الآتية كما في الكتاب العزيز ، وكذا إخبار أنبيائه وأوليائه بها ، فإنه يدلّ على علمه دلالة واضحة . السابع : إنّ اللّه عالم بذاته ، فإنّه خلق العالمين بذواتهم ، فهو أيضا عالم بذاته ؛ لان معطي الكمال لا يكون فاقده ، أو أنه مجرّد وكل مجرّد عاقل بذاته ، وذاته عين العلّة لكل شيء ، وقد تقرر أن العلم بالعلّة - أي بجميع جهاتها واعتباراتها اللازمة لها ، وإن شئت فقل : أي بالجهة المقتضية للمسبب سواء كانت عين ذات العلة أو زائدة ، ولا شك أنها عين حيثية ترتّب المسبب على السبب ؛ إذ لتخلّف عن السبب التام محال - عين العلم بالمعلول ، كما صرح به السبزواري « 3 » ، أو يقتضي العلم به ، أو يستلزمه كما في تعابير الآخرين .
--> ( 1 ) النمل 27 / 18 . ( 2 ) الشوارق 2 / 222 . ( 3 ) شرح المنظومة / 159 .