الشيخ محمد آصف المحسني

147

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

أقول : قد أشرنا غير مرّة أن فاعليته تعالى لأجل الأغراض الزائدة على ذاته تعالى ، وإلّا كان فعله لغوا ، فعلمه بذاته لا يدلّ على علمه بغيره ، فافهم جيدا . نعم علمه بذاته وبتلك المصالح يدلّ على علمه بمعاليله ، إلّا أن الكلام في علمه بهذه المصالح المذكورة فالبيان مصادرة . وبالجملة هذه القاعدة لو تمّت لاختصت بالعلل الموجبة التي تأثيرها بمجرّد ذواتها ، فتدبّر . الثامن : إنّ الضرورة الدينية واتّفاق أهل الملل والنحل والقرآن المجيد والسنة المتواترة كلها تدلّ على علمه تعالى . أقول : النبوة موقوفة على علمه ثبوتا وإثباتا ، فالتمسك بهذا الوجه دوري . لا يقال : القرآن لكونه معجزا ليس من كلام البشر ، بل هو من كلام اللّه سبحانه ، فإذا ثبت وجوده تعالى يخبر هو عن علمه ، فلا يلزم الدور . . . حينئذ قلت : المحقّق هو أن القرآن بمجموعه وتمامه ليس من إنشاء البشر وأمّا أن جميعه ليس منهم فهو غير ثابت عقلا ؛ إذ لا شك في إمكان المماثلة ببعض الآيات ، وحينئذ يحتمل أن الآيات الدالة على علمه تعالى صادرة عن الذي جاء بالقرآن ، فما لم يثبت نبوته وعصمته لم يتمّ حجّية القرآن . فالتمسك بالنقل في إثبات أصل علمه وقدرته غير صحيح . وما قيل « 1 » من أنه إذا ثبت صدق الرسل بالمعجزات حصل العلم بكلّ ما أخبروا به وإن لم يخطر بالبال كون المرسل عالما ، ففيه : أنّ دلالة المعجزة على صدق الرسل تتوقّف لا محالة على أن يكون المرسل عالما قادرا ، فإن طلب المعجزة ليس إلّا طلب تصديق المرسل من المرسل ، فلا بدّ من كونه عالما بالطلب وقادرا على التصديق . الجهة الثانية : في بيان عموم علمه وهو إن فسّرناه بتعلّق علمه بكلّ شيء موجود أو كان موجودا ، فدليله ما تقدّم من الوجه الثالث ، فإنّه يدلّ على أنّه تعالى عالم بجميع مخلوقاته سواء كانت ذواتا أو معاني أو غير ذلك ، فهو عالم بالموجودات وبالمحالات التي يعلمها العلماء ، فإنّ الصور المرتسمة في أذهان العلماء مخلوقة للّه تعالى ، فهو عالم بها بطريق أولى ، بل يمكن الاستدلال عليه بالوجه الأول والخامس والسابع أيضا كما لا يخفى . وهنا وجه آخر دالّ على المراد ذكره غير واحد ، وهو أنّ الموجب للعلم هو ذاته تعالى ، والمقتضي للمعلومية هو ذات الممكن ، ونسبة ذاته تعالى إلى جميع الممكنات نسبة متساوية ،

--> ( 1 ) الشوارق 2 / 222 نقله عن بعضهم .