الشيخ محمد آصف المحسني

145

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

النائم والساهي ليسا بهذا الشأن وليس لهما ترجيح لأحد الطرفين على الآخر ، بل يصدر الفعل عنهما بلا روية . وثانيا : منع عدم الفرق بين الفعل القليل والكثير ، فإنّ القليل وإن كان ممكن الصدور من الفاعل غير العالم ، لكن الكثير غير ممكن بالضرورة ، ولا أظنّ أن يعدّ هذا سرّا على عاقل . وأمّا ما ذكره المدقّق اللاهجي « 1 » - من منع استدعاء صدور الفعل الاختياري العلم بالمقصود ، مستندا فيه إلى صدوره عن الحيوانات العجم مع خلوها عن العلم ، وقال : وادّعاء الضرورة فيه لا يخلو عن إشكال لمكان فعل النائم والساهي ، ولا فرق بين القليل والكثير في ذلك ؛ إذ لو امتنع صدور الكثير بلا علم امتنع صدور الواحد لامتناع تحقّق المشروط بدون تحقق الشرط . انتهى - فهو ليس إلّا وسوسة علمية لا طائل تحتها ، فإن إنكاره علم الحيوانات بلا دليل ، بل هي تعلم ما يصدر عنها بعلم خاصّ أودعه اللّه في نفوسها ، ومنع الضرورة غير مسموع ، وليس مجرّد الفعل دالا على العلم حتى يمنع من صدور القليل بلا علم ، بل المشروط به هو الفعل الكثير . وهما - أي القليل والكثير - كما يختلفان في جملة من الاحكام ، فليكونا كذلك في المقام . وبالجملة هذا تشكيك في قبال الضرورة . ثم إن الفاضل المقداد « 2 » لم يعتمد في اثبات الكبرى على الضرورة ، بل برهن عليها بأن فعل المختار تابع لقصده ، ويستحيل قصد شيء من دون العلم به . أقول : القصد إما أن يراد به الصفة النفسانية فهي محال عليه تعالى ، أو تعلل أفعاله بالأغراض فالبيان مصادرة ؛ ضرورة توقّف على علمه كما يأتي في محلّه إن شاء اللّه ؛ أو الإرادة فالدليل عين المدعى ؛ لأنّها عنده هي علمه بالأنفع ، وهل الكلام إلّا فيه ؟ فالصحيح ما ذكرنا من دعوى الضرورة عليها كما هو الظاهر من جماعة . ونوقش في البرهان الرابع بما يصدر عن الحيوانات العجم من الأفعال المحكمة والمتقنة ، ولا سيما بعد ما أثبتته العلوم الحديثة وبالأخصّ ما تفعله النحل والنمل والعنكبوت وأمثالها . أقول : وجوابه ما تقدّم من إثبات العلم لها دائما أو بإلهم منه تعالى حين صدور هذه الأفعال ، قال اللّه تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر . . . « 3 » وقال أيضا حاكيا عن نملة : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم

--> ( 1 ) الشوارق 2 / 222 . ( 2 ) شرح الباب الحادي عشر / 14 . ( 3 ) النحل 16 / 68 .