الشيخ محمد آصف المحسني
137
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
انتهى . وهم الأشاعرة . وهذه الطوائف الثلاث بأسرها قد ضلّوا ضلالا مبينا وخسروا خسرانا كبيرا . أمّا شبهة الماديين فسيأتي وجه حلها . وأمّا أهرمن المجوس وظلمة المانوية والديصانية فإن كانتا ممكنتين فلا بدّ من استنادهما واستناد افعالهما إلى اللّه تعالى وان كانتا واجبتين ، فأدلة التوحيد تدفعهما . وأمّا توهّم الأشعريين فهو سخيف جدا لما سيأتي من أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبائح العقلية فإنّها لا تليق بالحكيم ، ولعمري إنّ هذا - أي عدم صدور الشر من اللّه الحكيم - ممّا أودعه اللّه في الفطرة البشرية ؛ فلذا لم ينكره أحد غير هؤلاء المخالفين للنواميس العقلية . ولذا أشرك المجوس ، وكفر الماديون ، ولم ينكروا حكمة الخالق القديم واستحيوا من استناد الشرور إليه . فإن قلت : لا موجود إمكاني إلّا وهو معلول له تعالى إمّا بلا واسطة أو بواسطة ، والكلّ من عند اللّه وهو خالق كلّ شيء ، ولا حول ولا قوة الا باللّه العظيم ، فما تقول أنت في إسناد الشرور ؟ وهل يمكن إسنادها إلى غير الواجب ؟ فإن أجبت بالنفي فهو مذهب الأشعري ، والّا فهو مذهب المجوس أو المادي . قلت : قد أجابوا عن هذا بوجهين : الأول : ما نقل عن أفلاطون من أن الشرّ عدمي ، والعدم لا يحتاج إلى علّة : فالشرور الواقعة في العالم لا تقتضي فاعلا حتى يتكلّم فيه ، فبهذا يدفع جميع ما لزم الماديين والثنوية والأشعرية . أقول : أمّا الصغرى فقد اعتنى بها الفلاسفة جدا وأوضحوها بذكر أمثلة « 1 » ومن جملتها القتل ، فإنّه شرّ عند العقلاء ، فقالوا : إنّ شريّته ليست من جهة قدرة القاتل عليه ، ولا من جهة حركات أعضائه فإنهما كمال له ، ولا من جهة قطع الآلة فإنه أيضا كمال لها ، ولا من حيث قبول العضو المقطوع للتقطيع لأنّه أيضا كمال له ، بل هي من جهة إزالة الحياة ، وهي عدمية . نعم كل واحد من هذه المذكورات شرّ بالعرض لا بالذات ؛ لما عرفت من أنه خير كذلك . وهكذا النار فإنّها خير بالذات شرّ بالعرض ، فالشر بالذات لا يكون إلّا عدميا . وقد ادّعى عليها - أي على عدمية الشرّ - الضرورة بعضهم ، ولشارح حكمة الإشراق عليها برهان ذكره صاحب الأسفار معتمدا عليه ، والظاهر أنّ اهتمام الفلاسفة بذلك إنّما هو لأجل اعتبار السنخية في العلّة والمعلول عندهم ؛ إذ لو كان الشر وجوديا لامتنع استناده إلى الخير
--> ( 1 ) وللمحقق الطوسي كلام في توضيح ذلك نقله اللاهجي في شوارقه 1 / 48 من شرح الإشارات ، ولصاحب الأسفار أيضا كلام مفصّل في ذلك .