الشيخ محمد آصف المحسني

138

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

المحض ، وهو اللّه الواجب . وإذا قيل لهم : إنّ العدم لا أثر له والشر مؤثر ، يقولون : إنّه ليس عدما صرفا بل عدم ملكه وله تأثير كالعمى ونحوها . الثاني : ما نقل عن أرسطو - وقيل : إنّه تفاخر به - من أن الأشياء على خمسة احتمالات : ما لا خير فيه ، وما لا شرّ فيه ، وما يتساويان فيه ، وما خيره غالب ، وما شره غالب ، وذات الواجب بالذات لما لم يمكن أن تصير مبدأ للشر وجب أن لا يصدر عنها إلّا قسمان من هذه الاقسام ، أي ما لا شريّة فيه وما خيريته غالبة ، فإنّ ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير . أقول : أما الوجه الأول فبعد تسليم الصغرى وعدم المناقشة فيها ، فيرد عليه : أنّ الممكن كما يحتاج في وجوده إلى إرادة الواجب كذلك في عدمه إلى عدمها ، فعدم الممكن مستند إلى عدم إرادته ، فيعود الإشكال وأنه تعالى لم ما أراد كذا حتى لا يتحقق الشر ؟ فإرجاع الشرّ إلى العدم لا يجدي عن دفع الإشكال . وأمّا الوجه الثاني فهو بمجرّده غير مفيد ؛ لأنّه لم يخرج عن حدّ المدعى بعد فهو مصادرة . هذا ، والظاهر من جماعة من الفلاسفة جعل الوجهين وجها واحدا ، فالشر عدم محض وليس بأمر وجودي حتى لا يصحّ صدوره من الواجب من أجل عدم السنخية . وأمّا الشرور بالعرض فهي وإن كانت أمورا وجودية لكن غير صادرة عنه تعالى بالقصد الأول بل بالعرض ، فإنّها غالبة الخيرية وإيجادها لأجل غلبة خيرها على شرها . وأمّا الشرور بالذات فهي مستندة إلى عدم إرادته والواقع منه القسمان المتقدّمان لا غير ، فإن الشرور التي تلحق الأشياء هي في أنفسها خيرات ، وبالقياس إلى بعض الأشياء شرور ، كوجود النار والماء والسيف والسنان والسبع والحية وغيرها من الذوات ، وكوجود الغضب والشهوة والجربزة والشيطنة وغيرها من الصفات ، وكوجود الضرب والطعن والقتل وغير ذلك من الافعال . أقول : لا شكّ في أن جملة كثيرة من الموجودات التي توجب الشر لبعض الأشياء الأخر خيرات في نفسها ، وبها ينتفع غيرها انتفاعا أكثر مما يترتّب عليها من الشر المذكور ، إلّا أن الإشكال لا يدفع بهذا المقدار ، فإنّه يقال : إن إحراق النار لثوب الفقير ممكن واللّه سبحانه قادر على منع تأثيرها ، فلم لم يمنعه ؟ وكذا وقوع الطفل في النار ، أو غرق شاب في الماء مثلا ، فإن إيجاد النار أو الماء مثلا لأجل المنافع الكثيرة لا يوجب استحالة منع تأثيرهما في توليد الشر في بعض الموارد . وهذا ما يقال : من أن الذي يغلب خيره على شره لم لم يوجد عن الباري على وجه لا يعتريه شرّ أصلا حتى يكون الموجودات كلها خيرات محضة ؟ وأمّا ما أجيب عنه وارتضاه صاحب الأسفار « 1 » - من أنّه لو كان كذلك لكان الشيء غير

--> ( 1 ) الأسفار ، المجلد الثاني ، الموقف الثامن ، الفصل السادس .