الشيخ محمد آصف المحسني

12

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

أحدها : ما نسب إلى المتقدّمين من علماء الكلام ، من أنه الموجود بما هو موجود لكن من حيث كونه متعلقا للمباحث الجارية على قانون الاسلام ، ليمتاز الكلام عن الفلسفة الإلهية « 1 » . ثانيها : ما نقل عن أكثر المتأخرين من أنه المعلوم من حيث يتعلّق به إثبات العقائد الدينية « 2 » . قال في المواقف « 3 » تعلقا قريبا أو بعيدا ، والأول مثل مباحث التوحيد وصفات اللّه وأفعاله والثاني ما يتوقف عليه هذه الأمور كمباحث الأمور العامة والطبيعيات . وإنما عدلوا عن لفظ الموجود إلى المعلوم ليدخل في العلم مباحث العدم بناء على رأي من ينكر الوجود الذهني ، ومباحث أمور لا يتوقف أحوالها على وجودها خارجا كما يقال : النظر الصحيح يفيد العلم أم لا ، ونحو ذلك . ثالثها : ما نقل عن بعضهم « 4 » من أنه ذات اللّه سبحانه . أقول : لا بأس بالقول الأول بناء على دخول مباحث الأمور العامة وغيرها في العلم ، والتزام الاستطراد فيما لا يرجع إلى أحوال الموجود ، غير أن ما جعلوه مميزا للكلام عن الفلسفة واه جدا بل لا فرق حينئذ بينهما من جهة الموضوع أصلا . بيان ذلك : أنّ مسائل الكلام إما ما يتوقّف عليه إثبات الشريعة مثل مباحث إثبات الصانع وعلمه وقدرته وامتناع القبح عليه وإثبات النبوّة ونحوها . وإما ما لا تتوقّف عليه فإنه يستلزم الدور ؛ وأما القسم الثاني فإن كان ممّا يدركه العقل ويستقل يستنكف عنه بل هو مجبول على اتباعه فطرة ، فان وجد هنا ظاهر نقلي مناف لهذا الحكم العقلي فلا ريب في لزوم تأويله كما هو المتداول في الكلام والتفسير وغيرهما ، وسر ذلك أن الشريعة أسست من قبل المحيط بجميع الواقعيات فلا تضاد العقل في أحكامه الصادقة ، فنعلم أن الإرادة الجدّية من هذا الظاهر غير موافقة للإرادة الاستعمالية البتة . وان شئت فقل : إن حجّية النقل بالعقل وطرح الأصل لأجل الفرع غير معقول فإنه ينجر إلى سقوط الفرع وهذا خلف . وأما معارضة النقل القطعي مع حكم العقل الجزمي فهذا غير ممكن ثبوتا كي نبحث عنه اثباتا ولا يظن بعاقل أن يدعي ذلك في مورد . وإن لم يكن ممّا يدركه العقل ، فإن ثبت بدليل قطعي من الشرع فنعتقد به ضرورة حكم العقل بلزوم تصديق المعصوم عن الكذب والسهو ، فهو مثل المستقلّات العقلية في القبول إلا أنه

--> ( 1 ) . الشوارق 1 / 7 . ( 2 ) . المصدر نفسه / 10 . ( 3 ) . المواقف 1 / 26 . ( 4 ) . لاحظ نفس المصدرين .