الشيخ محمد آصف المحسني
13
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
إدراك اجمالي للعقل ، بمعنى أن العقل يصدقه وان لم يحط بوجهه تفصيلا . ثم إن الصحيح هو صحّة حصول القطع من الأدلة النقلية كما هو واقع واجدنا فإنكاره - كما عن المعتزلة وجمهور الأشاعرة « 1 » - لا يستحقّ الجواب بل لا يظن بهم أيضا الالتزام به كما لا يخفى على الناظر في مسائل العلوم الشرعية ، وإن لم يثبت بدليل قطعي بل بدليل ظني ، فإن كان الظن المذكور حاصلا من غير الطرق المنصوبة شرعا فهو لا يغني من الحق شيئا فلا عبرة به ، وإن كان من الطرق الشرعية ، فإن كان المورد ممّا اعتبر الشارع العلم في صحة الاعتقاد به فلا يعتنى بالظن المذكور ، والا فالأظهر - خلافا لما نسب إلى المشهور - هو حجية الظن المذكور وجواز الاعتقاد بمتعلّقه كما يأتي في آخر الفائدة الثالثة . وهذا الذي ذكرناه مما لا يمكن الشك فيه لمسلم ، متكلما كان أو حكيما ، فأين فائدة هذا القيد ؟ وما هو الفارق بين العلمين ؟ على أن القيد المذكور ممّا لا دخل له في عروض العوارض على الموجود فلا يصح أخذه في الموضوع ، وإلّا فتصبح العوارض المذكورة أعراضا غريبة له ، وإذا لم يصح ذلك فلا يكون وجها للامتياز فإنه عندهم بتمايز الموضوعات ، والحيثية المذكورة راجعة إلى البحث دون الموضوع كما عرفت . والصحيح أن الفرق بين العلمين من ناحية الغرض حيث إن المتكلم يبحث لأجل معرفة العقائد الدينية ، والفلسفي لأجل معرفة حقائق الأشياء عقلا ؛ ولذا عنونت في الكلام مسائل اعتقادية غير مذكورة في الفلسفة لعدم إدراك العقل لها تفصيلا ، ولعله واضح . وعلى الجملة : لا بد من انتهاء جميع المباحث الكلامية إلى البديهيات والقطعيات والا لا اعتبار بها ، ومن هنا ينقدح أن طعن صاحب الشوارق « 2 » على هذا العلم بقوله : إن الاعتماد على الدلائل الكلامية من حيث هي كلامية غير مجد في تحصيل العقائد الدينية ، بل جدواها إنّما هو حفظ العقائد إجمالا على العقول القاصرة الغير القادرة على البلوغ إلى درجة اليقين التفصيلي ، والتحقيق التحصيلي . غير وارد ، بل هذا منه ومن غيره افراط في القول ، وزلة جمع من الكلاميين في عدة من المسائل لا تضرّ بالعلم نفسه ، كما أن أغلاط قوم من الفلاسفة لا تحسب على الفلسفة كما لا يخفى . وأما القول الثاني فهو يساوق إنكار الموضوع من أصله ضرورة أن المعلوم عنوان انتزاعي لا تأصّل له خارجا ، كيف ولا يعقل الجمع التأصلي بين الوجود والعدم ، إلّا أن يلتزم بتعدد العلم المذكور حسب تعدد الموضوعات كالوجود والعدم والحال ؟ وهو كما ترى ، مع أنه يدخل في
--> ( 1 ) - شرح المواقف 1 / 209 . ( 2 ) - الشوارق 1 / 8 .