الشيخ محمد آصف المحسني
106
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
المفكرة قد صدر عن مصادفة عمياء ؛ لأن العمى لا يخلق نظاما ولا يبدع حكمة . ذلك أكبر برهان يقوم عندي على وجود اللّه . ثم يقول : ولقد قامت عندي شكوك كثيرة لأوّل عهدي بالبحث ، فسألت : من أين جاءت العلّة الأولى ؟ وهل لها نشأه ومعاد ؟ غير أني لم ألبث حتى استبان لي أنّ هذا الشك نفسه قد يخطر للإنسان إذا فكّر في نشأة المادّة المحسوسة ذاتها ، فمن أين جاءت المادّة القديمة ؟ وهل لها أوّل ؟ أم هي أزلية ؟ فإذا كانت أزلية - وغالب الظن على ذلك - فمن أين أتت ؟ تلك الحدود التي يقف عندها الفكر الإنساني معترفا بالعجز « 1 » لكنّ الماديين أكثروا السرعة من مقلدهم - بالفتح - ولم يدروا أن هذه التلفيقات على فرض صحّتها لا ترتبط بهو ساتهم أصلا . ثم إن شارلز داريون ليس مؤسّسا لهذه النظرية بل ذكرها غير واحد ممن سبقه ، كما ذكره فريد وجدي في دائرة المعارف ، بل يوجد ذلك في كلمات العرب - إخوان الصفا وغيرهم أيضا - كما نقلها إسماعيل مظهر في مقدّمة ترجمة أصل الأنواع « 2 » مع أنهم من المسلمين . فاتضح من جميع ذلك أنّ هذه النظرية لا تشفي داء الماديين ، فإنّ صحّتها لا تصادم وجود اللّه تعالى بل ولا غيره من الأصول الدينية . نعم هي غير صحيحة عند القرآن فإنّه يبيّن خلقة الإنسان بدوا وينفي - بالدلالة الالتزامية - تكوّنه من القرود وغيرها ، فهي تخالف الإسلام في مسألة فرعية جزئية . وقد عرفت أنّ البرهان والحسّ والأخلاق ترجّح جانب القرآن . ولهم جواب ثالث معروف بالفلسفة الدياليكتيكية وقد بنيت على أصول أربعة : التغير والتحوّل الباطني ( في مقابل التغير الحاصل من خارج الشيء المسمّى بالميكانيك ) ، صحّة التناقض والتضاد بل ضرورة وقوعهما في كلّ شيء ، تأثير التقابل وهو ارتباط الأشياء بعضها ببعض بلا انفصال لشيء منها من هذه السلسلة المرتبطة ، تبديل الكمّية إلى الكيفية دفعة واحدة ؛ وعليها بنوا إنكار الواجب الوجود والأديان بل وجميع الأحكام العقلية ؛ إذ لا شيء ثابت عندهم أصلا ، بل كلّ شيء له أوّل ونهاية ، وبها عللوا نظام العالم المتقن ! لكن هذه الفرضية واضحة البطلان ؛ لان الأصل الأول يشمل نفس هذه الفرضية أيضا ، فلا قيمة لها ، فإنّها محكومة بالزوال والاضمحلال . وحله : أن التغيّر غير جار في العلوم غير المادية ، أليست نتيجة ضرب الاثنين في الاثنين هي الأربعة ، وهل يحتمل أحد أن تكون النتيجة خمسة أو ثلاثة في زمان من الأزمنة ؟ لكنّهم لا يفرقون بين العلوم الطبيعية والعقلية فيطبقون احكام الأولى على الثانية .
--> ( 1 ) مقدّمة ترجمة أصل الأنواع بالعربية تأليف إسماعيل مظهر / 26 . ( 2 ) أصل الأنواع / 29 - 41 .